ولا يخفى أنّ صحّة البدن من أعظم نعماء اللّه على العبد ولا يدانيها شيء ولا يعرف قدرها إلّا بعد فقدها ، ولذا ورد في الخبر نعمتان مجهولتان : الصحّة والأمان ، وأنفع الأدوية للصحّة لمن أراد السلامة في أيّام حياته قلّة الأكل ، وإن كان الموت حقّا ولا يمكن دفعه بعلاج ودواء ولكن ترى الإنسان يستعجل به من غاية حبّه الطعام وإفراطه في الأكل على أنه لا تطيب الحياة مع العلّة والمرض .
وربّما يرضى بالموت ولا يرضى بعمر معه الأسقام والأوجاع ويطلب منيته ولا يأتيه حتّى تنصرم أيّامه وتنقطع آجاله فحينئذ لا يمكن العلاج ، ولا ينفع الدواء ولا يقدر على دفعه ، ولم يكن له تدبير في أمر نفسه ، كما لم يتمكنوا من دفعه الملوك والجبابرة ولا الفراعنة والقياصرة ، ولا أحد من الأطبّاء المهرة به ، وترى الطبيب يموت بمرض كان ماهرا في معالجته .
قيل : إنّ أربعة من الحكماء ماتوا بأربعة أمراض كانوا ماهرين في فنّ معالجته ، فإنّ أفلاطون مات مبرسما ، وإنّ أرسطاطاليس مات بالسل ، وإنّ بقراط مات مفلوجا ، وجالينوس مات مبطونا ، ولقد أجاد الشاعر حيث قال :
ألا يا أيّها المغرور تب من غير تأخير * فإنّ الموت قد يأتي ولو صيّرت قارونا
فكم قد مات ذو طب وكم قد مات ذو مال * يلاقي بطشة الجبّار ذا عقل ومجنونا
بسل مات ارسطاليس أفلاطون برساما * وبقراط بأفلاج وجالينوس مبطونا « 1 »
هامش
( 1 ) شجرة طوبى للعلّامة الحائري ( رحمه اللّه ) المجلّد 2 ص 133 - 134 .