* أصبحت لا أنا في الزّهّاد منقطع * حقّا ، ولا كاسب أغدو إلى السوق « 1 » :
مثل النّعامة لا طير فتلحقها * مع الطيور ولا تحدى مع النّوق « 2 » .
* دفعت إلى الزمان غراب بين * فعوّضني الزمان به حماما « 3 » .
فإن يكن الغراب جنى اغترابا ، * فقد جلب الحمام لنا حماما « 4 » .
ضحكنا ، وكان الضّحك منّا سفاهة . * وحقّ لنا ، أهل البسيطة ، أن نبكي ،
ألم تر أنّ الموت حقّ وأنّنا * سنحيا لملك أو سنحيا إلى هلك « 5 » ؟
هل المرء إلّا كالزّجاجة كلّما * تخلّلها صدع أعيدت إلى السّبك « 6 » ؟
أمّا فنونه فهي الزّهد والحكمة والرّثاء . ويبدو أنّه كان مكثرا من النظم والنثر والترسّل ( في أيام خدمته في ديوان أحد الأمراء ) ولكنّه أتلف ما كان قد أنشأ من الرسائل ونظم من الشعر . ومع ذلك فقد حفظ من شعره جانب غير قليل .
وكذلك كان أبو بكر بن قسّوم مصنّفا في الزهد والتصوّف ورجالهما ، له : محاسن الأبرار في معاملة الجبّار « 7 » - النّبذة المشتملة على شذور المنظوم والمنثور ( لعلّ هذه النبذة هي التي كان ابن قسّوم قد أتلفها ) .
هامش
( 1 ) منقطع ( لا يعمل عملا آخر ) . الكاسب : الذي يسعى لكسب رزقه . غدا : ذهب في الصباح .
( 2 ) تلحقها ( أنت ) : تنسبها إلى الطير ، تعدّها في الطيور . تحدى ( تساق ) . النوق جمع ناقة .
( 3 ) غراب بين ( فراق ) : شعر أسود كالغراب من المعروف أنّه سيبين ( سيبتعد ) : سيصبح بعد سواده أبيض . حمام ( كناية عن الشعر الأبيض ) .
( 4 ) إذا كان الشعر الأسود لمّا جاء إلى رأسي جاء ومعه التهديد بالاغتراب ( بالهجر ، بالذهاب ) ، فإنّ الحمام ( بفتح الحاء : اللون الأبيض في الشعر ) جاء ومعه نذير بالحمام ( بكسر الحاء : الموت ) .
( 5 ) البيتان الأوّل والثالث تزييف لبيتي أبي العلاء المعرّي :ضحكنا وكان الضحك منّا سفاهة * وحقّ لسكّان البريّة أن يبكوا .
يحطّمنا ريب الزمان كأنّنا * زجاج ولكن لا يعاد له سبك .
* وللسبك عاد كسير الزجاج * ولا يسبك الدرّ إذ ينكسر ، الخ .( 6 ) الهلك : الهلاك . سنحيا لملك ( ؟ ) .
( 7 ) الصدع : الشق ( بالفتح ) .
( 8 ) الأبرار جمع بارّ : الرجل العابد الزاهد ( والكثير الطاعة للّه والرحيم بأهله ) . الجبّار ( من أسماء اللّه الحسنى ) . راجع تاج العروس ( الكويت 10 : 154 ) .