ولابن دحية الكلبي أحكام تنحو نحو النقد يريد أن يدافع بها في الأكثر عن شعراء الأندلس ويلتمس العذر في قلّة شهرتهم بالإضافة إلى شعراء المشرق . وربّما ساق أحكامه هذه مساق الفتح بن خاقان « 1 » في جمل عامّة لا « توجب حكما صحيحا » ( راجع المطرب 164 و 172 ) :
« في قصائده التي ضربت في الإبداع بسهم ، وطلعت في كل خاطر ووهم ، ونزعت منزعا قصّر عنه حبيب وابن الجهم « 2 » - وهذه القصيدة من غرر القصائد ودرر القلائد ، وكل بيت منها بيت قصيد وواسطة سلك فريد « 3 » » .
وربما اتكأ في نقده على النحو وأبدى في ذلك براعة ( المطرب 234 - 235 ) :
- قال أبو القاسم السّهيليّ ( ت 581 ه ) أبياتا في الابتهال منها :
يا من خزائن رزقه في قول : « كن » ، * امنن ، فإنّ الخير عندك أجمع « 4 » .
فعلّق ابن دحية على هذا البيت بقوله ( المطرب 234 - 235 ) :
أمّا رفع « أجمع » في هذا البيت فيجوز أن يكون توكيدا لمكان « إنّ » الابتدائية ، إذ موضعها الابتداء . وهي مؤكّدة للجملة لم تغيّر معناها وإن غيّرت لفظها . ألا تراهم قد عطفوا على اسمها بالرفع - وهو إذا استوفت خبرها ، نحو : إنّ زيدا قائم وعمرو « 5 » . وإذا لم تستوف خبرها ، فلا يجيز البصريّون ذلك . وذلك أنّك إذا قلت : انّك وزيد قائمان ، وجب أن يكون « زيد » مرفوعا بالابتداء ، ويكون
هامش
( 1 ) الفتح بن خاقان ( ت 529 ه ) صاحب كتاب « قلائد العقيان » ( راجع ترجمته ) .
( 2 ) حبيب هو أبو تمّام الشاعر العبّاسي ( ت 232 ه ) . وعليّ بن الجهم ( ت 249 ه ) شاعر عباسي .
( 3 ) بيت القصيد أو بيت قصيد هو أبرع الأبيات في القصيدة ( والمقصود من قولها ) . الفريد ( جمع فريدة :
لؤلؤة ) . السلك : الخيط الذي ينظم فيه عقد اللؤلؤ . الواسطة ( أكبر حبّات العقد ، وتكون في وسطه - ولذلك سمّيت الواسطة ) .
( 4 ) الأصل أن تكون « أجمع » ( مبنية على الفتح في محلّ نصب حال : مجموعا معا ) .
( 5 ) « إن » تنصب ( بكسر الصاد ) الاسم وترفع الخبر . وقد استوفت هنا اسمها وخبرها ( إنّ زيدا قائم ) ؛ بقيت « عمرو » فتخريج إعرابها هنا : إنّ زيدا قائم ، وعمرو قائم .