- ويبدو أنّ أبا القاسم البلويّ الإشبيليّ كان في أثناء محنته القاسية يكتب إلى نفر من إخوانه يسألهم ما يستعين به على شقاء الحياة . من ذلك :
* وما كتبت إليك ، يا أخي المشفق الحدب « 1 » ، هذا الكتاب إلّا وأنا مولّه العقل ممّا حلّ بي من اعتداء الزمان وخذلان الأصحاب . وأشدّ من ذلك اختلال أحوال ربّة الدار وكونها جارت في أفعالها وأقوالها وجرت على غير الاختيار :
عندي من الحزن ما لو أنّ أيسره * يلقى على الفلك الدوّار لم يدر .
وكيف يهنأ العيش مع سوء الحال باطنا وظاهرا وواردا وصادرا . أحياني اللّه بالحمام وحيّاني بحلول دار السلام « 2 » .
* لا مشتكى ، يا أخي ، إلّا إليك - وإن كنت أورد من ذلك ما يشقّ عليك .
لكنيّ أعلم حسن مشاركتك في السرّاء والضرّاء « 3 » ومحافظتك على شروط الوداد والإخاء .
- وكتب في وصف الفتنة التي كانت في أيامه ( حينما كان الإسبان يستولون على المدن الأندلسية ) :
ولو شاهدت ما نحن فيه من اشتعال الفتنة واشتغال أصناف الناس بأنواع المحنة ، لذهلت عن تلفيق كلمتين ، وحمدت اللّه فيما « 4 » حماك به عن هذا الموطئ المسخوط عليه من البين « 5 » : سيف مجرّد وخيف محدّد ، وحقد لا يقتصر على النفوس ، وغلّ « 6 » لا يشفى إلّا بقطف الرؤوس .
4 - * * القدح المعلّى 120 - 122 ؛ نفح الطيب 3 : 325 .
هامش
( 1 ) الحدب : الرجل والمرأة إذا حدبا ( عطفا على ولديهما ) . المولّه : الذي ولّهه الحب أو الحزن ( ذهب بعقله ) .
( 2 ) الحمام : الموت . أحياني اللّه بالحمام ( أنقذني اللّه من شقاء حياتي في الدنيا بالموت ) . وحيّاني ( استقبلني رضوان : خازن الجنّة ) بحلول ( عند حلول : دخول ) دار السلام ( الجنّة ) .
( 3 ) السراء : النعمة والرخاء . الضرّاء : الشدّة ، المرض الدائم .
( 4 ) كذا في الأصل . اقرأ : على ما .
( 5 ) الموطئ : المكان الذي يطأ ( يدعس ، يمشي ) الناس فيه ( المكان الذي يكثر فيه الناس ) . المسخوط :
المكروه . البين ؟ ؟ ؟ : الفراق ، البعاد .
( 6 ) الغلّ : الحقد .