إنّما هي في رحلته المعروفة برحلة ابن جبير . وأسلوبه في رحلته نثر رصين جزل الألفاظ سهل التركيب بارع السبك موجز بليغ يصدر عن شعور بما يرى ويتأثّر به ، والجانب القصصيّ في رحلته بارع جدّا كما أن أوصافه طريفة ناطقة بما تعبّر عنه .
3 -
مختارات من آثاره :
- قال ابن جبير في النسيب :
طول اغتراب وبرح شوق ، * لا صبر - واللّه - لي عليه « 1 » .
إليك أشكو الذي ألاقي * يا خير من يشتكى إليه « 2 » .
ولي بغرناطة حبيب * قد غلق الرهن في يديه « 3 » .
- لمّا كان ابن جبير في بغداد اتّفق له أن قطع غصنا نضيرا من أحد بساتينها فذوي الغصن ( جفّ ويبس ) في يده وشيكا ، فقال يوازن بين الغصن المقطوع من شجرته وبين المغترب عن وطنه :
لا تغترب عن وطن * واذكر تصاريف النّوى « 4 » ؛
أما ترى الغصن إذا * ما فارق الأصل ذوى !
- وقال في تذكّر الأوطان :
غريب تذكّر أوطانه * فهيّج بالذكر أشجانه « 5 » ؛
يحلّ عرى صبره بالأسى * ويعقد بالنجم أجفانه « 6 » !
هامش
( 1 ) البرح : العذاب .
( 2 ) يا خير من يشتكى إليه ( اللّه ) .
( 3 ) غلق الرهن : ضاع ( إذا لم يستطع أن يؤدّي الراهن دينه إلى الدائن في مقابل شيء مرتهن ، سقط حقّ الراهن في الشيء المرتهن ) .
( 4 ) التصاريف : تقلّب الأحوال وسيرها . النوى : البعاد .
( 5 ) الأشجان جمع شجن ( بفتح ففتح ) : الحزن .
( 6 ) العرى جمع عروة ( بضمّ العين ) : ما تمسك به الدلو ( والعروة أخت الزر تمسك مع الزر جانبين من الثوب ) . الأسى : الحزن . يعقد بالنجم أجفانه : يديم التطلّع إلى النجم ( يديم السهر ، لا ينام ) .