مشمّرا في الوحل عن ساقيه * مداولا عصاه في كفّيه .
فمرّة يعطي وألفا يمنع ، * ومرّة يمشي وعشرا يقع .
ونشأت في هذا العصر « مجاميع الشعر » ، بدأها الفتح بن خاقان ( ت 529 ه ) بكتابين : « مطمح الأنفس ومسرح التأنّس في ملح أهل الأندلس » جمع فيه نماذج لثلاث طوائف من الذين قالوا الشعر قبل أيامه « 1 » : ثمانية عشر من الوزراء وتسعة عشر من الفقهاء وأربعة عشر من الأدباء ، ذكر في مقدمة « المطمح » أن الذي ندبه إلى جمعها الوزير أبو العاصي حكم بن الوليد « 2 » . والذي يبدو أن الفتح بن خاقان قد جمع هذه النماذج هونا وعفو يده لملحة في كل نموذج عدّها أهلا لأن تذكر في كتابه .
ولست أدري بأيّ شيء استحقّ « الفقيه أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن مسرّة » ( ت 318 ه ) مكانا في « المطمح » ( ص 58 ) بهذين البيتين وحدهما :
أقبل فإنّ اليوم يوم دجن * إلى مكان كالضمير مكني « 3 »
لنا بحكم فيه أشهى فنّ * فأنت في ذا اليوم أمشى منّي « 4 » .
مع أن الفتح بن خاقان قد ذمّه وكشف عن إلحاده .
وأما « قلائد العقيان ومحاسن الأعيان » فهو أكبر حجما من « المطمح » وأوفى اختيارا . ولكن يبدو أن الفتح قد قصره على المعاصرين له وزاد في مدحهم على حسب ما نال من عطائهم .
وللنماذج التي اختارها الفتح في كتابيه « المطمح » و « القلائد » مقدمات إنشائية لفظية ليس فيها فائدة تاريخية ولا هي صالحة لأن تكون أساسا لمعرفة خصائص الشاعر . ولا ريب في أن الصفات التي كان يخلعها الفتح على كل شاعر كانت تستند إلى رضا الفتح عنه . فالغالب أن الفتح قد أراد التكسّب في « القلائد »
هامش
( 1 ) راجع بالنثيا 298 .
( 2 ) راجع مقدّمة المطمح ( منقول بعضها في نفح الطيب 7 : 60 ) .
( 3 ) دجن : غيم . مكني ( مستور عن عيون الناس ) .
( 4 ) لنا بحكم فيه ( نحن نحكم فيه بما نشاء : نفعل ما نشاء من لهو ) . أمشى منّي : أقدر على المشي منّي ( أبرع منّي في ذلك اللون من اللهو ) .