منه « ما وقعت عيني على مثله » . فأجاب الخزرجيّ الصقلّي بقول منه :
وقفت على ما تفضّلت به حضرته وانتهت إليه من الآداب همّته . فمن نثر رأيت العلم مضمونه ، والدرّ مكنونه ، والحكمة قرينه « 1 » ؛ ومن نظم كانت الفصاحة يمينه وفصل الخطاب عرنينه « 2 » . وودّ فصيح الكلام أن يكونه ، وأحيا القلوب وكشف المحجوب
توّجني مولاي من قوله * تاجا علا التيجان من قبله « 3 »
لأنّها تبلى ، وهذا إذا * مرّت به الأيّام لم تبله « 4 » .
فعلمه يشتقّ من لفظه ، * ولفظه يشتقّ من فضله .
تكاملت أوصافه كلّها ، * ومثله من كان من مثله « 5 » .
- وله من الشعر مع شيء من النقد . قال :
يهون عليها أن أبيت متيّما * وأصبح محزونا وأضحي مغرما .
صلي مدنفا أو واعديه وأخلفي * فقد يترجّى الآل من شفّه الظما « 6 » .
ضمان على عينيك قتلي ، وإنّما * ضمان على عينيّ أن تبكيا دما « 7 » .
ثمّ قرأت بعد ديوان البحتري فوجدت معظم هذه الألفاظ مبدّدة فيه . فإذا كانت أكثر المعاني يشترك فيها الناس حتّى قطع ابن قتيبة « 8 » أنّ قوله تعالى « يريد أن
هامش
( 1 ) مضمونه ( ما كان ضمنه ، فيه ) ومكنونه ( ما كنّ ، اختبأ فيه ) وقرينه ( المربوط معه ، المساوي له ) .
( 2 ) يمينه ( أحسن قسميه وأقواهما ، في مقابلة شماله بكسر الشين ) . فصل الخطاب : القول أو الرأي الصحيح الباتّ الجازم . العرنين : أعلى الأنف ( عرنين الشيء : أفضله ) .
( 3 ) كان أسمى وأثمن من جميع التيجان السابقة ( تيجان الملوك ) .
( 4 ) بلي ( بكسر اللام ) يبلى ( بفتح اللام ) الشيء : تهرّأ .
( 5 ) ليس في البشر رجل كامل الأوصاف إلّا إذا كان مثل هذا الممدوح .
( 6 ) صلي ( بكسر الصاد واللام ) وأصلي ، أنعمي بالوصل أو اللقاء على المحبوب . المدنف : الذي مرض من الحبّ وأشرف على الهلاك . واعديه : اقطعي له وعدا أو عهدا . اخلفي : انكثي في وعدك . الآل :
السراب . شفّه : أنحله ( جعل جسمه ناحلا أو نحيلا : ضعيفا ) . الظمأ : العطش .
( 7 ) ضمان ( هنا ) عزم وتأكيد .
( 8 ) ابن قتيبة ناقد مشرقي ( ت 276 ه ) له كتاب الشعر والشعراء .