وبما سنّه لنا نبيّنا المقتفى ورسوله المصطفى « 1 » من فروض طاعته نقتدي . نحمده بآلائه ونصلّي على عاقب أنبيائه « 2 » . ونسأله خير ما يختم وأفضل ما به لهذه النفوس يحتم « 3 » . . .
أما بعد ، أيّها المسهر طلب العلم لجفونه الكاتب لحور عيونه « 4 » ، الراتع منه في أزاهير فنونه ، فإني أقول لك : هنيئا ! فقد أوتيت بغيّتك « 5 » . وشكرا ! فقد ملّكت أمنيّتك . . .
وشكرا له ، أيّها النّهم على محاسن العلوم الباحث عن نتائج مقدّمات الحلوم « 6 » ، فما أسلمك للواحق الزمان ، ولا خلّى بينك وبين طوارق الحدثان « 7 » ، بل كفاك ما كان ينازعك من هواك ويمرّ عليك مستعذب نواك « 8 » : من تصوّر التعب بشدّ الرّحال ومئونة التّرحال ولفح السّموم « 9 » وعقد الطّرف ليلا بسموت النجوم « 10 » ، وتأمّل السّراب شوقا إلى برد الشراب ، والتمتّع بأباطيل الخيال بدلا من لذيذ محصول الوصال . . .
4 - المخصّص ، بولاق ( المطبعة الكبرى الأميرية ) 1316 - 1321 ه .
- المحكم والمحيط الأعظم في اللغة ( تحقيق مصطفى السقّا وحسين نصّار
هامش
( 1 ) المقتفى : المتبع . المصطفى : المختار .
( 2 ) الآلاء : النعم . عاقب : آخر .
( 3 ) خير ما يختم ( به الحياة : الموت على شريعة الإسلام ) . يحتم : يوجب ، يقضي .
( 4 ) المسهر خبر مقدّم . طلب العلم مبتدأ مؤخّر . لجفونه ( اللام زائدة ) . جفونه مجرورة لفظا منصوبة محلّا على أنّها مفعول به لاسم الفاعل « المسهر » ) . الحور في الأصل جمع حوراء ( المرأة الناعسة العينين ، الجميلة ( وهنا ، حور عيونه : خير ما في العلم ) .
( 5 ) البغيّة : الطلبة ( بالكسر ) والمطلب .
( 6 ) الحلوم ( جمع حلم بالكسر ) : العقول . نتائج مقدّمات الحلوم : ما يوجبه العقل من القواعد والأحوال .
شكرا له ( للّه ) .
( 7 ) لم يجعلك اللّه عرضة لمصائب الدهر ولا جعل لمصائب الدهر إليك طريقا .
( 8 ) يمرّ الشيء ( يجعله مرّا ) . النوى هنا : المقصد ( بلوغ ما يقصد الإنسان ) .
( 9 ) لفح السموم ( الريح الحارّة ) : ملاقاة الوجه وإحراقه .
( 10 ) عقد الطرف ( البصر ، العين ) بسموت ( السمت بالفتح : النقطة القائمة عموديا على رأس الناظر ) : أي قضى الليل ساهرا .