* وسائل لي عمّا لي من العمر ، * وقد رأى الشيب في الفودين والعذر « 1 » ،
أجبته : « ساعة ؛ لا شيء أحسبه * عمرا سواه بحكم العقل والنظر » .
فقال لي : « كيف ذا ؟ بيّنه لي ، فلقد * أخبرتني أشنع الأنباء والخبر » « 2 » .
فقلت : « إنّ التي قلبي بها علق * قبّلتها قبلة يوما على خطر ؛
فما أعدّ ، ولو طالت سنيّ ، سوى * تلك السّويعة بالتحقيق من عمري » !
* جرى الحبّ منّي مجرى النّفس * وأعطيت عيني عنان الفرس « 3 » .
ولي سيّد لم يزل نافرا ، * وربّما جاد لي في الخلس « 4 » .
فقبّلته طالبا راحة * فزاد أليلا بقلبي اليبس « 5 » .
وكان فؤادي كنبت هشيم * يبيس رمى فيه رام قبس « 6 » .
* وددت بأن القلب شقّ بمدية * وأدخلت فيه ثم أطبق في صدري ،
فأصبحت فيه لا تحلّين غيره * إلى منقضى يوم القيامة والحشر :
تعيشين فيه ما حييت ، فإن أمت * سكنت شغاف القلب في ظلم القبر .
* لقد بوركت أرض بها أنت قاطن ، * وبورك من فيها وحلّ بها السعد :
فأحجارها درّ وسعدانها ورد * وأمواهها شهد وتربتها ندّ « 7 » .
* فأيّام عمر المرء متعة ساعة * تمرّ سريعا مثل لمعة بارق .
وقد آذنت نفسي بتقويض رحلها * وأسرع في سوقي إلى الموت سائقي « 8 »
هامش
( 1 ) الفود : الشعر السائل من جانب الرأس . العذر ( بضمّتين ) جمع عذار ( بالكسر ) : الشعر النابت على صفحة الخدّ .
( 2 ) الخبر ( مفرد ) : ما ينقل من أحوال الناس . وكان حقّ الكلمة أن تكون جمعا لأنّها هنا معطوفة على جمع ولأنّ الأفصح أن يضاف اسم التفضيل إلى جمع لا إلى مفرد ، نقول : أحسن الأشياء ( لإمكان المفاضلة بين أشياء متعدّدة ) ولا نقول : أحسن شيء ( وإن كان المولّدون قد فعلوا ذلك فقال المتنبّي مثلا : « وخير جليس في الزمان كتاب » )
( 3 ) أعطيت عيني عنان ( رسن ) الفرس : أطلقت نفسي تفعل ما تريد ( بالنظر بالعينين فقط ) .
( 4 ) في الخلس ( بفتح فسكون ) انتهاز الأمر . والخلسة ( بالضمّ ) : النهزة والفرصة ( بالضمّ فيهما ) .
( 5 ) الأليل : الاضطراب ، الحرارة . اليبس ( ربما بفتح وكسر : اليابس ) : الذي نسي الحب وفارقه الشباب - لعلّ ابن حزم قصد بالأليل « الاحتراق » ( راجع البيت التالي ) .
( 6 ) هشيم : يابس . قبس : شيء مشتعل .
( 7 ) درّ : لؤلؤ . السعدان : نبت تأكله الإبل وتسمن من أكله . شهد : عسل . ند : نبات طيّب الرائحة .
( 8 ) آذن : اقترب . بتقويض رحلها ( بيتها ) للرحيل عن الدنيا .