أعدّ بديع صفاته . وهو مع سماته الرائقة وآلاته الفائقة لم يعن بتأليفها أحد وما انفرد بتصنيفها منفرد . . . لكنّ أهل المشرق ، على تأليفهم لأشعارهم وتثقيفهم لأخبارهم - مذ تكلّمت العرب بكلامها وشغلت بنثرها ونظامها - لا يجدون لأنفسهم من التشبيهات في هذه الموصوفات ما وجدته لأهل بلدي « 1 » على كثرة ما سقط منها من يدي بالغفلة التي ذكرتها عنهم وقلّة التهمّم « 2 » بها ، وعلى قرب عهد الأندلس بمنتحلي الإسلام ، فكيف بمنتحلي الكلام « 3 » ؟ فكيف ( لا ) يرى فضلهم وقد سبقوا في أحسن المعاني مجتلى وأطيبها مجتنى « 4 » ، وهو الباب الذي تضمّنه هذا الكتاب فلهم فيه من الاختراع الفائق والابتداع الرائق وحسن التمثيل والتشبيه ما لا يقوم أولئك « 5 » مقامهم فيه .
- ولأبي الوليد نفسه في كتابه المذكور قطعة ( كان قد خاطب بها أباه ) :
لمّا خلق الربيع من أخلاقك الغرّ وسرق زهره من شيمك الزّهر « 6 » ، وتاقت النفوس إلى الراحة فيه ومالت إلى الإشراف على بعض ما يحتويه ، من النّور « 7 » الذي كسا الأرض حللا لا يرى الناظر في أثنائها خللا . فكأنّها نجوم نثرت على الثّرى وقد ملئت مسكا وعنبرا . إن تنسّمتها فأرجة ، أو توسّمتها فبهجة . تروق العيون أجناسها وتحيي النفوس أنفاسها . . .
- وقال يصف الربيع ثم يتخلّص إلى المدح :
أبشر فقد سفر الثّرى عن بشره * وأتاك ينشر ما طوى من نشره « 8 » .
هامش
( 1 ) بلدي ( الأندلس ) .
( 2 ) التهمّم : طلب الأشياء والبحث عنها .
( 3 ) انتحل : اتّخذ نحلة ( دينا ، عادة ) . منتحلي الكلام : البارعين في النثر والشعر .
( 4 ) المجتلى : المنظر . المجتنى : القطف من الشجرة ( المقصود : طعما ) .
( 5 ) أولئك : ( أي : المشارقة ، أهل المشرق ) .
( 6 ) الأغر : الأبيض . الشيمة : الصفة . الأزهر : الأبيض ، اللامع .
( 7 ) النور ( بالفتح ) : الزهر الأبيض .
( 8 ) سفر : كشف . الثرى : التراب ( وجه الأرض ) . البشر : طلاقة الوجه ( ارتياح الإنسان للقاء الناس سرورا بهم ) . النشر : الرائحة الطيّبة : وأتاك ينشر ما طوى من نشره ( يعبق منه ما كان مخفيّا فيه - من طيب الرائحة وجمال المنظر ) .