- وطلب المنصور منه أن يعارض قصيدة أبي نواس : « أجارة بيتينا ، أبوك غيور » . فاعتذر إجلالا لأبي نواس وهيبة من ذلك فقال :
إنّي لمستحي علا * ك من ارتجال القول فيه :
من ليس يدرك بالرويّة * كيف يدرك بالبديه « 1 » !
- من عجائب الاتّفاق أنّ صاعدا أهدى إلى المنصور بن أبي عامر ذات يوم أيّلا مقيّدا بحبل ، وقد سمّاه « غرسيه » ؛ يتفاءل بذلك أن يأسر المنصور بن أبي عامر عدوّه غرسيه الأوّل بن شانجه ملك قشتالة ، وقد كتب إلى المنصور بالأبيات التالية .
وكان ذلك في أحد أيام ربيع الأول من سنة 385 - نيسان - أبريل 995 م :
يا حرز كلّ مخوّف وأمان كلّ * مشرّد ومعزّ كلّ مذلّل ،
جدواك إن تخصص به فلأهله ؛ * وتعمّ بالإحسان كلّ مؤمّل « 2 »
كالغيث طبّق فاستوى في وبله * شعث البلاد مع المراد المبقل « 3 »
اللّه عونك ، ما أبرّك بالهدى * وأشدّ وقعك في الضلال المشعل !
مولاي - مؤنس غربتي ، متخطّفي * من ظفر أيامي ممنّع معقلي -
عبد ، نشلت بضبعه وغرسته * في نعمة ، أهدي إليك بأيّل « 4 » .
سمّيته غرسيّة وبعثته * في حبله ليتاح فيه تفاؤلي .
فاتّفق أن غرسيه هذا جيء به ، في ذلك اليوم عينه ، أسيرا إلى المنصور .
4 - * * جذوة المقتبس 223 - 227 ( الدار المصرية ) 340 ( رقم 509 ) ؛ بغية الملتمس 306 - 311
هامش
( 1 ) الرويّة : التفكير والتأمل . البدية : القول ارتجالا .
( 2 ) الجدوى ( يبدو من القاموس أن اللفظة مذكّرة ) : المطر العام ؛ العطيّة ، الكرم .
( 3 ) الغيث : المطر . الوبل والوابل : المطر الكثير . شعث البلاد : البلاد المغبّرة ( لقلة سقوط المطر فيها ) .
المراد : المقصود ( الذي يقصده الناس لرعي أنعامهم فيه ، لكثرة نباته ولخصبه ) . المبقل : الذي يكثر فيه البقل ( النبات ) .
( 4 ) الضبع : جانب البدن . نشلت بضبعه - أخذت بضبعه ، أعنته ، ساعدته ، أنهضته من كبوته ، أنقذته من مشكلة . الأيّل : نوع من الوعول ( يشبه المعزى الجبلية ! ! ) .