محمّد بن عبد ربّه « 1 » قصيدة وثانية ، فلم يستحسن شيئا ممّا أنشدتّه . فأنشدته لمحمّد بن يحيى :
يا غزالا عن لي فأب * تزّ قلبي ثمّ ولّى « 2 » ،
أنت منّي بفؤادي ، * يا منى نفسي ، أحلى !
حتّى أتيت على آخر الشعر . فقال : هذا الشعر بختمه ، لا ما أنشدتّني به آنفا « 3 » .
وأراد عبد الرحمن الناصر ، في مطلع خلافته ، انتساخ شعر حبيب « 4 » فأحضر جماعة فيهم محمّد بن محمّد بن أرقم النحويّ الأندلسيّ والوزير أبو الأصبغ موسى بن محمّد بن الحاجب ( ت 320 ) والشاعر القلفاط وابن فرج المعروف بالبيساري أو بابن البيساري - وكان من أهل العلم بالعربية ( النحو ) ومن طبقة ابن الحكيم والقلفاط .
وشاورهم عبد الرحمن في أي القصائد يحسن أن يقدّم في صدر الكتاب « 5 » فقال ابن أرقم : « إنّما يفضّل الشعر ويقدّم لغرابته وحسن معناه . وشعره ( شعر أبي تمّام ) الذي وصف فيه القلم « 6 » لم يتقدّمه ( فيه ) عليه متقدّم ولا لحقه فيه متأخّر » . واختلف المجتمعون في ذلك . ثمّ اتّفق أن حضر أبو عبد اللّه الغابي « 7 » فسئل رأيه في ذلك ( من غير أن يعرف آراء المختلفين ) فقال : إنّ أهل بغداد لا يفضّلون على شعر أبي تمّام في القلم شيئا لغرابة معناه .
ولكن بينما كان الشعراء والنقّاد يذهبون في تذوّق الشعر مذهب القدماء ، من
هامش
( 1 ) الملموح أنّه ابن عبد ربّه صاحب العقد ( ت 328 ) .
( 2 ) عن : بان ، ظهر ، بدا . مرّ بسرعة . ابتزّ : سلب . ولّى : انطلق ، ذهب .
( 3 ) بختمه : بعسله ( ؟ ) ، راجع القاموس 4 : 102 . آنفا : سابقا ، من قبل .
( 4 ) الزبيدي 306 - 307 . وبويع لعبد الرحمن الناصر بالخلافة سنة 316 . حبيب هو أبو تمّام .
( 5 ) في صدر الكتاب . يبدو أن المراد كان جمع عدد من مختارات شعر أبي تمّام .
( 6 ) قطعة مطلعها :لك القلم الأعلى الذي بشباته * تصاب من الأمر الكلى والمفاصل .( 7 ) كذا في الزبيدي 307 . في انباه الرواة ( 3 : 70 ) : أبو عبيد اللّه الغسّاني .