منها . ولم يورد ابن عبد ربّه شيئا من موشّحاته - ولا من موشّحات غيره - في كتابه « العقد » ، مع كثرة ما يورد من شعر غيره وشعر نفسه في هذا الكتاب .
ومع كلّ هذا التجديد الطارئ على الأدب الأندلسيّ - في الشعر وفي النثر - فإنّ الرجز ( وهو فنّ بدويّ جاف ونتاج فطريّ بسيط - حتّى قيل فيه : إنّه حمار الشعر ) ظلّ معروفا في الأندلس ، لا في الألفيّات الفقهيّة والنحوية وما شابهها فقط ، بل في الإنشاد الوجدانيّ أيضا . وقد ظلّ الرجز مألوفا إلى أواخر العصر الأندلسي . وفي نفح الطيب نحو مائة شاهد تطول أو تقضر من هذا البحر « 1 » .
فمن الراجزين في عصر الخلافة أبو المطرّف عبد اللّه بن محمّد الأصمّ ( ت 335 ) ، « كان نحويّا لغويّا فصيح اللسان شاعرا مجوّدا . وأكثر أشعاره على مذاهب العرب ، وله أراجيز فصيحة » ( الزبيدي 331 ) .
وللشاعر الرماديّ ( ت 403 ) المشهور رجز في موضوع حضريّ من وصف الخمر ووصف الطبيعة ( نفح الطيب 4 : 74 ) :
نوء وغيث مسبل * وقهوة تسلسل « 2 » ؛
تدور بين فتية * بخلقهم تمثّل « 3 » .
والأفق من سحابه * طلّ ضعيف ينزل « 4 » ،
كأنّه من فضّة * برادة تغربل « 5 » .
ومرّ ابن شهيد ( ت 426 ) برجل من معارفه بين يديه زنبيل فيه حرشف « 6 » فأصرّ
هامش
( 1 ) راجع نفح الطيب 8 : 448 - 452 ( فهرست الرجز ) .
( 2 ) النوء في الأصل منزلة للنجم يحدث في زمانها مطر . الغيث : المطر النافع . المسبل : الكثير ( الهطول ) .
المستمر . القهوة : الخمر المطبوخة بالنار . تسلسل - تتسلسل : من « سلسل » : صبّ ( الماء ) شيئا فشيئا .
( خمر كانت تشرب قليلا قليلا ) .
( 3 ) بخلقهم تمثّل ( كانت رقيقة دمثة ، ليّنة مثل أخلاقهم الكريمة ) .
( 4 ) الطلّ : المطر الخفيف .
( 5 ) البرادة : القطع الصغيرة المنفصلة من قطعة كبيرة من المعدن بعد حكّها بمبرد .
( 6 ) الزنبيل : وعاء كبير مصنوع من خوص النخل ( قفة ) . الحرشف ، أو الخرشف ، والخرشوف : شوكة -