وبكائه وبين ما ينسب إلى الحمامة من مثل ذلك :
أنّى تباريني جوى وصبابة * وكآبة وأسى وفيض مآق « 1 »
وأنا الذي أملي الجوى من خاطري * وهي التي تملي من الأوراق !
والتورية هنا في « الأوراق » تملي من الأوراق ( من ورقة مكتوبة - في مقابل « من خاطري » ) ، وتملي من الأوراق ( وهي موجودة بين أوراق الشجر ) .
وليوسف بن لؤلؤ أيضا :
هلمّ ، يا صاح ، إلى روضة * يجلو بها العاني صدا همّه « 2 » ؛
نسيمها يعثر في ذيله ، * وزهرها يضحك في كمّه « 3 » .
« زهرها يضحك في كمّه » : بدأ يتفتّح وهو لا يزال في غلافه الأخضر ؛ و « ضحك الرجل في كمّه » ( والعامّة يقولون : ضحك بعبّه ) - أي : جاءه مغنم لم يحسب له حسابا ، نال أكثر من حقّه . ومن قول يوسف بن لؤلؤ :
واكتم أحاديث الهوى بيننا * ففي خلال الروض نمّام !
والنمّام : الذي ينقل الحديث إلى من لا يجوز نقل الحديث إليهم ؛ ثمّ إنّ النمّام نوع من الأزهار .
وله البيتان الجميلان ( تأمّل التورية في كلمة « مرّ » ) :
يا عاذلي فيه ، قل لي : * عن حبّه كيف أسلو ؟ « 4 »
يمرّ بي كلّ حين ؛ * وكلّما مرّ يحلو ! « 5 »
هامش
- الطبيعة والغزل . وكانت وفاته في شعبان من سنة 680 ( أواخر 1281 م ) . راجع شذرات الذهب 5 : 369 ، الأعلام للزركلي 9 : 325 .
( 1 ) تباريني : تنافسني . الجوى : ألم الحب . الصبابة : الميل والشوق والحب . الكآبة والأسى : الحزن .
فيض المآقي : البكاء . المأق والمؤق ( طرف العين ) .
( 2 ) العاني : الأسير ( المحب ، أسير الحب ) . الصدا - الصدأ : طبقة تنشأ من اتحاد الأوكسجين بذرات الماء على سطح عدد من المعادن فيتفتت بها سطح تلك المعادن . صدأ النفس بالهم : قلة الانشراح ، زوال الفرح .
( 3 ) في قوله : « نسيمها يعثر ( بكسر الثاء أو ضمها ) في ذيله » تورية : الأغصان في تلك الروضة طويلة ومكسوة بالأوراق . فالمفهوم : صفة مدح لكثرة اخضرار أغصان تلك الروضة ، ثم تعثر الأغصان في تلك الروضة بالأوراق التي تحملها ( كما تتعثر الفتاة أحيانا بالثوب الطويل الذي تلبسه ) ، فتتحرك هذه الأغصان حركات مختلفة على غير نسق منظور .
( 4 ) العاذل : اللائم . أسلو : أنسى ، أصبر ( عن لقاء المحبوب ) .
( 5 ) مر من المرور : سار على مقربة مني . ومر من المرارة ( ضد الحلاوة ) . وفي الكلمة تورية .