عانقتها والشهب ناعسة * والأفق بالظلماء منتطق « 1 » ،
ولثمتها والليل من قصر * قد كاد يلثم فجره الشفق « 2 » ،
بمعانق ألف العفاف به * كرم بأذيال التّقى علق « 3 » .
ثمّ افترقنا حين فاجأنا * صبح تقاسم ضوءه الحدق « 4 » -
وبنحرها من أدمعي بلل ، * وبراحتي من نشرها عبق « 5 » !
- لمّا استولى الإفرنج ( الصليبيّون ) على بيت المقدس ( 22 شعبان 492 - 15 / 7 / 1099 م ) قتلوا - فيما ذكر ابن الأثير ( 10 : 283 ) - في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا . وكان أمراء المسلمين في ذلك الحين مختلفين متنابذين ، فنظم الابيوردي في ذلك كلّه قصيدة منها :
وشر سلاح المرء دمع يفيضه * إذا الحرب شبّت نارها بالصوارم « 6 » .
فإيها ، بني الإسلام ، إنّ وراءكم * وقائع يلحقن الذرى بالمناسم « 7 » .
أتهويمة في ظلّ أمن وغبطة * وعيش كنوّار الخميلة ناعم « 8 » !
وكيف تنام العين ملء جفونها * على هفوات أيقظت كلّ نائم « 9 » ؟
واخوانكم بالشام يضحي مقيلهم * ظهور المذاكي أو بطون القشاعم « 10 » .
هامش
( 1 ) الشهب ( النجوم ) ناعسة ( لا تكاد تلمع لشدة الظلام ) . منتطن ( يلبس نطاقا أو منطقة ، بكسر الميم ) :
ملتف ، محاط .
( 2 ) الليل كاد يلثم فجره الشفق : قرب طلوع الفجر .
( 3 ) علق : متعلق ، متمسك ( بالعفة ) .
( 4 ) صبح تقاسم ضوءه الحدق ( العيون ) : انتبهنا كلانا لطلوع الصبح ؛ عيوننا تبرق بضوء الصبح .
( 5 ) النحر : أعلى الصدر . بنحرها من أدمعي بلل ( لأنني كنت واضعا وجهي عليه وأنا أبكي كرها للفراق ) . وبراحتي ( كفي ) من نشرها ( رائحتها ) عبق ( رائحة زكية شديدة ) لشدة امساكها بيدي كيلا أفارقها .
( 6 ) الصوارم جمع صارم : السيف القاطع .
( 7 ) أيها ( بكسر الهمزة وتنوين الهاء : اسم فعل ) : حسبكم - يكفيكم ( تقاعسا وكسلا وخوفا من القتال ) .
وقائع : معارك . يلحقن الذرى ( الأعالي ، الرؤوس ) بالمناسم ( المنسم : خف البعير ، بكسر الخاء ) يذللن الانسان :
يجعلن رأسه منخفضا في موضع قدمه .
( 8 ) تهويمة : سهوة ، نوم خفيف هادئ ( استرخاء في النوم بلا مبالاة ) . النوار : الزهر . الخميلة : الشجرة الصغيرة التي كثر ورقها وزهرها .
( 9 ) الهفوة : السقطة ، الزلة ( الخطأ الفادح ) .
( 10 ) المقيل : النوم ( والمكان والمستقر ) . المذاكي من الخيل : الكبيرة ( التي تخوض المعارك ) . - مكانهم ظهور الخيل ( في الحرب ) أو بطون القشاعم ( جمع قشعم : النسر ) ، اي قتلى أكلتهم الطيور الكواسر .