وفي هذا الكتاب أيضا يعرض عبد القاهر الجرجانيّ لرأيه في الإعجاز ، وذلك أن الألفاظ لا توجب حكما ولا يبدو فيها جمال إلّا إذا ألّفت نوعا من التأليف ثمّ انطوت على معنى . وفي الكتابين ( إعجاز القرآن وأسرار البلاغة ) وجوه من الشبه في الموضوعات المطروقة وفي الأمثلة المضروبة .
ولعبد القاهر الجرجانيّ شعر من شعر العلماء بعضه في المديح وأكثره في الشكوى والأدب . ثمّ هو بلا ريب ناقد من الطبقة الرفيعة .
3 - مختارات من آثاره
- من فاتحة كتاب « أسرار البلاغة » :
اعلم أنّ الكلام هو الذي يعطي العلوم منازلها ويبيّن مراتبها ويكشف عن صورها ويجني صنوف ثمرها ويدلّ على سرائرها ويبرز مكنون ضمائرها .
وبه أبان اللّه تعالى الإنسان من الحيوان « 1 » ونبّه فيه على عظيم الامتنان ، فقال - عزّ من قائل - « الرحمن علّم القرآن . خلق الإنسان ، علّمه البيان » « 2 » .
فلولا ( الكلام ) لم تكن لتتعدّى فوائد العلم عالمه ، ولا صحّ من العاقل أن يفتق عن أزاهير العقل كمائمه « 3 » ، ولتعطّلت قوى الخواطر والأفكار من معانيها . . . . .
وإذا كان هذا الوصف مقوّم ذاته « 4 » وأخصّ صفاته ، كان أشرف أنواعه ما كان فيه أجلى وأظهر . . . . والألفاظ لا تفيد حتّى تؤلّف ضربا خاصّا من التأليف ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب . . . . وهذا الحكم - أعني الاختصاص في الترتيب - يقع في الألفاظ مرتّبا على المعاني المرتّبة في النفس المنتظمة فيها على قضيّة العقل « 5 » . . . .
وههنا أقسام قد يتوهّم في بدء الفكرة ، وقبل تمام العبرة ، أنّ الحسن والقبح فيهما لا يتعدّى اللّفظ والجرس « 6 » إلى ما يناجى فيه « 7 » العقل والنفس . . . . . .
هامش
( 1 ) أبان الانسان من الحيوان : فرق أحدهما من الآخر ( فضل الانسان ) .
( 2 ) الكمائم - الاكمام : كأس الزهرة ( الأوراق الخضر التي تضم الزهر قبل تفتحها ) .
( 3 ) ذاته - ذات العلم ، جوهره وحقيقته .
( 4 ) المقصود - أن ترتيب الكلام تابع لترتيب المعاني في العقل .
( 5 ) الجرس ( بفتح الجيم أو بكسرها ) : الصوت أو الصوت الخفي ، نغمة اللفظة .
( 6 ) ما يناجى به العقل والنفس : ما يتعلق بالفكر والعاطفة .
( 7 ) السماحة : الكرم . مذهب : طريقة ، مبدأ . مذهب : انصراف ، ابتعاد ( عن أمر ما ) .