أولى الأنام كويفير بمعذرة * في كل أمر ، وبعض العذر تفنيد « 1 » :
وذاك أن الفحول البيض عاجزة * عن الجميل ؛ فكيف الخصية السود ؟ « 2 »
ذهابه إلى المشرق ( الدور الرابع من حياته ) وموته
توجّه المتنبّي إلى الكوفة مسقط رأسه . وبعد مدّة صعد إلى بغداد ، سنة 351 ه ، فلم يجد الأمور على ما يشتهي ، ولا رأى أن يمدح فيها أحدا :
لا الخليفة المطيع ، ولا أمير الأمراء معزّ الدولة بن بويه ، ولا الوزير المهلّبيّ . فأغرى المهلبيّ به الشعراء فأخذوا بهجائه وشتمه .
واتفق أنّ الأديب المشهور ابن العميد ، وزير ركن الدولة بن بويه ، كتب إلى المتنبّي من أرّجان يستزيره ، فذهب اليه المتنبّي في عام 354 ، ( 965 م ) ومدحه . ثم كتب اليه عضد الدولة بن بويه من شيراز يستزيره أيضا فسار اليه المتنبي ( 354 ه ) ومدحه .
وفي ذلك العام نفسه استأذن المتنبي عضد الدولة لزيارة الكوفة ، وكان في الحقيقة يريد أن يذهب إليها ليقيم فيها ، بما كان معه من المال الذي جمعه من ممدوحيه ، إمارة في مسقط رأسه . وفي أثناء الطريق عرض له فاتك الأسديّ ، أحد رؤساء الأعراب ، وقاتله طمعا بما كان معه من المال وقتله ( 28 رمضان 354 ه - أواخر تشرين الثاني 1965 م ) ، قيل في موضع يقال له الصافية ، قرب النعمانية عند دير العاقول على نحو ميلين من الضواحي الغربية لبغداد .
إن شعر المتنبّي في هذا الدور أدنى من شعره في حلب ومصر ، فقد خلا من الحكمة ومظاهر العظمة ومن وصف المعارك ثم ضعف بناؤه . وتفسير ذلك سهل ، هو أن المتنبّي ترك مصر مكسور النفس بعد أن كان قد غادر حلب مجروحا في كبريائه فلم يكن شعره يعبّر عن ذلك العنفوان وذلك الطموح اللذين كانا له في حلب . غير أن شعره اكتسب في هذا الدور رقّة وبرز فيه الوصف . قال المتنبّي يمدح عضد الدولة ويصف شعب
هامش
( 1 ) التفنيد : اللوم والتقريع . - عذرك لشخص ما دليل على أنه مذنب ، فإذا أنت عذرته فكأنك تلومه .
( 2 ) الفحول البيض : أمثال سيف الدولة . الخصية السود : أمثال كافور لأنه كان خصيا أسود مملوكا .