المشتمل على عالمنا هذا بأدلّ على اللّه من بدن الإنسان . وإنّ صغير ذلك ودقيقه كعظيمه وجليله . ولم تفترق الأمور في حقائقها وإنّما افترق المفكّرون فيها .
- من كتاب الحيوان : الحية التي تصيد طعامها :
إنّ في رمال بلعنبر « 1 » حيّة تصيد العصافير وصغار الطير بأعجب صيد .
زعموا أنّها إذا انتصف النهار واشتدّ الحرّ وامتنعت الأرض على الحافي والمنتعل ورمض الجندب « 2 » غمست هذه الحيّة ذنبها في الرمل ثمّ انتصبت كأنّها رمح مركوز أو عود ثابت . فيجيء الطير الصغير أو الجرادة ، فإذا رأى عودا قائما وكره الوقوع على الرمل لشدّة حرّه وقع على رأس الحيّة على أنها عود . فإذا وقع على رأسها قبضت عليه . فإن كان جرادة أو جعلا « 3 » أو بعض ما لا يشبعها مثله ابتلعته وبقيت على انتصابها ، وإن كان الواقع على رأسها طائرا يشبعها مثله أكلته وانصرفت .
- من كتاب الحيوان : إلحاح الذبّان « 4 » على الجاحظ :
فأما الذي أصابني أنا من الذبّان فإنني خرجت أمشي من عند ابن المبارك أريد دير الربيع ، ولم أقدر على دابّة . فمررت بعشب ونبات ملتفّ كثير الذبان ، فسقط ذباب من ذلك الذبان على أنفي ، فطردته فلم أقدر فتحوّل إلى عيني . فزدت في تحريك يدي فتنحّى بقدر شدة حركتي وذبّي « 5 » عن عيني . ولذبّان الكلأ والغياض والرياض « 6 » وقع ليس لغيرها . ثم عاد
هامش
( 1 ) بلعنبر - بنو العنبر .
( 2 ) الجندب : نوع من الجراد صغير الحجم يقفز ولا يطير . رمض : اشتد الحر على صدره الملامس للرمضاء ( الرمل الحار ) .
( 3 ) الجعل : خنفساء ، دويبة سوداء كريهة الريح والمنظر .
( 4 ) في القاموس ( 1 : 68 ) : الذباب ( بضم الذال ) : اسم جمع ، والواحدة ذبابة والجمع ذبان ( بكسر الدال ) والملموح من النص أن الجاحظ يطلق « الذباب » على الواحدة من الذبان .
( 5 ) الذب : التنفير ، الطرد .
( 6 ) للذبان الموجود في الكلأ ( العشب ، منابت العشب المرتفع ) والغياض ( جمع غيضة بفتح الغين : الشجر المجتمع في أرض منخفضة وفيها ماء ) والرياض ( جمع روضة بفتح الراء وجمع ريضة بكسر الراء : مكان في الرمل فيه ماء مستنقع وعشب - القاموس 2 : 333 ) .