شاهدا و « نحلوه » شاعرا قديما أو دسّوه في قصيدة قديمة معروفة . وربما فعل بعض رواة التاريخ والحديث واللغة مثل ذلك . ولقد كان للنزاع بين الأحزاب السياسية على الأخص يد غير مشكورة في « نحل الشعر » .
وعلى هذا نشك نحن أيضا في صحة بعض الشعر الجاهلي ، ولكن لا نشك فيه كلّه ولا نشك في الشعراء الجاهليين كذلك ، ذلك لأن « الناحل » يستطيع أن يقلّد البيت والبيتين والقصيدة والقصيدتين ، ولكنه لا يستطيع أن يخلق شاعرا ولا أن يتلبس بشخصية شاعر . وإذا استطاع أن يتلبس بشخصية شاعر واحد فهل يستطيع أن يتلبس بشخصيات مشاهير الشعراء أمثال امرئ القيس وطرفة وعنترة والأعشى معا ؟ أضف إلى ذلك ان هنالك « إشارات متقاطعة » نراها في الدواوين المختلفة ، فنرى عبيد بن الأبرص يذكر معاصره امرأ القيس ثم نجد امرأ القيس يذكر فلانا وفلانا ، فكيف يتأتي لمن اختلق هذا الشعر - سواء أكان فردا أم كانوا نفرا - أن يلمّوا بذلك كله ويوفقوا بينه ؟ ثم هنالك الإشارات المتأخرة في القرآن الكريم إلى الشعر الجاهلي ثم الإشارات في دواوين الشعراء الأمويين والعباسيين إلى الشعراء الجاهليين بأسمائهم وخصائصهم ، كقول الفرزدق ( ت 110 ه ، 738 م ) :
وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا ، * وأبو يزيد وذو القروح وجرول « 1 »
والفحل علقمة الذي كانت له * حلل الملوك كلامه لا ينحل « 2 »
وأخو بني قيس وهن قتلنه ، * ومهلهل الشعراء ذاك الأول « 3 »
والاعشيان كلاهما ، ومرقش ، * وأخو قضاعة قوله يتمثّل « 4 »
وأخو بني أسد عبيد إذ مضى ، * وأبو دؤاد قوله يتنخّل « 5 »
وابنا أبي سلمى زهير ، وابنه ، * وابن الفريعة حين جدّ المقول « 6 »
هامش
( 1 ) النابغة : لقب نفر من الشعراء ، منهم : النابغة الذبياني والنابغة الجعدي ونابغة بني شيبان . أبو يزيد ( المخبل السعدي ) وذو القروح ( امرؤ القيس ) وجرول ( الحطيئة ) .
( 2 ) والفحل علقمة ( علقمة بن عبدة ) .
( 3 ) أخو بني قيس ( طرفة ) والمهلهل ( بن ربيعة ) .
( 4 ) الأعشى : لقب لنفر من الشعراء يزيدون على ستة عشر عدا ، منهم : الأعشى ميمون بن قيس ، وأعشى باهلة ، وأعشى ثعلبة وسواهم . وأخو قضاعة : أبو الطمحان القييني .
( 5 ) عبيد بن الأبرص وأبو دؤاد الأيادي .
( 6 ) وابنا أبي سلمى ( بجير وكعب ) وزهير ( بن أبي سلمى ) وابنه ( عقبة بن كعب بن زهير ) وابن الفريعة ( حسان بن ثابت ) .