يلقى غريمكم من غير عسرتكم * بالبذل بخلا وبالإحسان حرمانا « 1 » .
قد خنت من لم يكن يخشى خيانتكم ؛ * ما كنت أوّل موثوق به خانا .
لقد كتمت الهوى حتى تهيّمني ؛ * لا أستطيع لهذا الحب كتمانا « 2 » .
كاد الهوى يوم سلمانين يقتلني ، * وكاد يقتلني يوما ببيدانا .
لا بارك اللّه في من كان يحسبكم * إلّا على العهد حتى كان ما كانا .
لا بارك اللّه في الدنيا إذا انقطعت * أسباب دنياك من أسباب دنيانا « 3 » .
ما أحدث الدهر مما تعلمين لكم * للحبل صرما ولا للعهد نسيانا « 4 » .
إنّ العيون التي في طرفها حور * قتلننا ثم لم يحيين قتلانا « 5 » :
يصرعن ذا اللبّ حتى لا حراك به ، * وهنّ أضعف خلق اللّه أركانا !
يا حبّذا جبل الرّيّان من جبل ، * وحبذا ساكن الرّيّان من كانا ،
وحبذا نفحات من يمانية * تأتيك من قبل الريان أحيانا « 6 » .
ثم يلتفت جرير إلى هجاء الشعراء ويخصّ بالهجاء الأخطل . والهجاء في هذه القصيدة عفيف اللفظ والمعنى بخلاف ما نعرف من قصائد الهجاء الأخرى التي لا تخلو عادة من الاقذاع .
يقول جرير :
ما يدّري شعراء الناس ، ويحهم ، * من صولة المخدر العادي بخفّانا « 7 » .
هامش
( 1 ) الغريم : الدائن ، وهنا : المحب . أنت تستطيعين أن تبذلي لي قربك ولكنك لا تفعلين . وأنا أبذل نفسي لك وأنت تبخلين علي . وأنا أحسن في محبتك وأنث تحرمينني . - هذا البيت مبني على إشارة إلى القرآن الكريم في حق الدائن والمدين : وان كان ذو عسرة فنظرة ( بفتح النون وكسر الظاء ) إلى ميسرة ( سورة البقرة 280 ) .
( 2 ) تهيمني الحب : كاد يذهب بعقلي .
( 3 ) لا لذة للعيش إذا ابتعدت عنك .
( 4 ) الصرم : القطع ، الهجر ، البعد .
( 5 ) الحور : شدة بياض بياض العين وشدة اسوداد سوادها . يحيين فعل مضارع مبني على السكون في محل جزم بحرف الجزم لم ؛ والنون نون النسوة وهي فاعل .
( 6 ) ما أحلى النسيم الذي يأتي من الجنوب ( من جهة اليمن ) .
( 7 ) يدري الصيد : يختله ( يحاول أن يمسكه على غفلة ) . الصولة : الهجمة ، الوثبة ، السطوة . المخدر :
( الأسد ) الساكن في الأجمة أو العرين . العادي : الأسد ، العدو ، الظالم . خفان : مأسدة ( مكان يكثير فيه الأسود ) في طريق الكوفة . - ما يأمل هؤلاء الشعراء أن ينالوا بهجاء جرير ( إلا كما يأمل الناس من صيد الأسد المخدر ، الشديد الصولة والسطوة ) .