الإمام علي خطبته التالية :
أمّا بعد ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه اللّه لخاصّة أوليائه . وهو لباس التقوى ودرع اللّه الحصينة وجنّته الوثيقة ؛ فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذل وشمله البلاء « 1 » ، وسيم الخسف ومنع النّصف « 2 » .
إلا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم « 3 » ليلا ونهارا ، وسرا واعلانا وقلت لكم : « اغزوهم قبل أن يغزوكم » . فو اللّه ، ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا . فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنّت الغارات عليكم وملكت عليكم الأوطان . وهذا أخو غامد وقد وردت خيله الأنبار ، وقد قتل حسان بن حسان البكريّ ، وأزال خيلكم عن مسالحها « 4 » .
فيا عجبا : واللّه ، يميت القلب ويجلب الهمّ اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم . فقبحا لكم وترحا « 5 » حين صرتم غرضا يرمى « 6 » :
يغار عليكم ولا تغيرون ، وتغزون ولا تغزون ، ويعصى اللّه وترضون .
فإذا أمرتكم بالسير إليهم في الصيف قلتم هذه حمارّة القيظ ، أمهلنا حتّى يسبخ عنا الحر « 7 » . وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم هذه صبارّة القرّ « 8 » ، أمهلنا حتى ينسلخ عنا البرد . كل هذا فرارا من الحر والقرّ . فأنتم ، واللّه ، من السّيف أفرّ .
يا أشباه الرجال ولا رجال . حلوم الأطفال ، وعقول ربّات الحجال « 9 » .
لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم . معرفة ، واللّه ، جرّت ندما ، وأعقبت سدما « 10 » . قاتلكم اللّه ، لقد شحنتم صدري غيظا ، وأفسدتم عليّ رأيي
هامش
( 1 ) الجنة ( بضم الجيم ) : الوقاية ، الستر . شمله البلاء : عمته المصائب .
( 2 ) النصف : الانصاف . الخسف : الذل .
( 3 ) أهل الشام أتباع معاوية .
( 4 ) أخو غامد : سفيان بن عوف أرسله معاوية لشن الغارات على أطراف العراق .
( 5 ) الترح : الحزن . الغرض : الهدف ، أي تصيبكم المصائب .
( 6 ) هدفا للهجمات والاعتداء .
( 7 ) حمارة القيظ : أشده . يسبخ : يخف .
( 8 ) صبارة القر : شدة البرد . الأصل في القر أن تكون مضمومة ولكنها فتحت هنا اتباعا للفظة الحر .
( 9 ) حلوم : عقول . ربات الحجال : النساء .
( 10 ) السدم : الأسف .