وتمضي الأشهر ، وأعيدت الكرة ، ولم يأت الخطيب ، واتفق الطلاب على أن يقدموا طالبا قديما ( وكان يدعي بنفسه الفهم كثيرا ) ، فما أن صعد المنبر حتى دخل الشيخ الأكبر يتوكأ على عصاه ، وإذا بالطالب يرتبك ويخطئ حتى في قراءة الأحاديث والآيات ، وينطق عبارات غير منسجمة ، مع عدم اتقان في الأداء ، فلما نزل وصلّى تحلق حوله الطلاب ، وراح الشيخ يوبخه ويوجهه ويقول له : كان يجب أن تكون الخطبة في جيبك جاهزة منذ زمن ( احتياطا ) ، لأن الناس يعرفون أنك من طلاب الشيخ علي ، وبينما هو يتكلم إذ بالشيخ تقع عينيه عليه على شيخنا فيقول له :
- وأنت أين كنت ؟ لم لم تصعد أنت ؟
وكان هذا وساما علقه الشيخ الأكبر على صدر شيخنا فهي شهادة عظيمة جعلت محبة الشيخ تزداد في قلبه كثيرا ، وكان يجلس خلف الشيخ عبد الرحمن الزعبي في درس الفقه ( البجيرمي على الخطيب ) ، ومرت مسألة فقهية وكأنها استعصت عليهم ، ففهمها شيخنا ، فألقى في أذن الشيخ الزعبي جوابها ، فسمعه الشيخ الأكبر وهو يلقيها إلى سمع الشيخ الزعبي فقال : الجواب مثل ما قال هذا ، ابعدوا له وأجلسوه بينكم ، فصار مكانه بين شيخيه الزعبي والبصروي وهما من أقطاب الطلاب وأقدمهما عند الشيخ الدقر -
استمر شيخنا من جهة يدرس مع الطبقة الثانية ومن جهة يقومون بتدريسه .
وأصبحت له مكانة في حلقة شيخه الأكبر فدرس على يديه :
التفسير : حاشية الصاوي على الجلالين .
والمصطلح : شرح البيقوني ، وبدأ بشرح النخبة لابن حجر ولم يتمه الشيخ .
والسيرة سيرة ابن هشام .
وكان شيوخ العصر لا يحبون تعدد الشيوخ ، يحبون أن يبقى الطالب يتعرف منهجا واحدا ، فإن عرفه انتقل إلى غيره ، لكن الذي حصل لشيخنا عكس ذلك ، إذ أن أدبه العالي مع شيخه الأكبر جعله يستأذن منه أن يدرس على مولانا الشيخ بدر
غرر الشام في تراجم آل الخطيب الحسنية ومعاصريهم — صفحة 684
مساهمون: الشيخ عبد العزيز الخطيب الحسيني
ص٦٨٤