وهو في تقواه وصلاحه مضرب المثل فكان على ما يتمتع به من حسن الخلق والتواضع ولين الجانب محبا للعزلة والانزواء لا يختلط بالناس كثيرا ، بل يحب الانقطاع إلى اللّه والتفرغ للعبادة ، وكان يبغض الرياء والتظاهر بالصلاح بغضا شديدا ويعتني بنظافة بزته مهما كانت بسيطة وهو كثير الاحتياط أيضا ، وكان يطيل مقدمات الصلاة وتعقيباتها ، وحدثني بعض خواص أصدقائه ممن جاوره مدة أنه كان يحيي الليل بالعبادة والبكاء على مر الأيام ، ولا ينام من الليل إلا قليلا . ولهذا كانت له بين مختلف طبقات أهل العلم وغيرهم مكانة مرموقة ومحل رفيع ، وكان لهم به أتم وثوق .
مرض بعض أولاده في سنة 1364 على ما أتذكر فنقل إلي بغداد وطالت معالجته وانتقل كافة أهله إلى الكاظمية ، وهناك رغب اليه بعض أهل العلم وغيرهم من المؤمنين أن يقيم الجماعة في بعض المساجد ليحظوا بالايتمام به ، فامتنع أولا ثم نزل عند رغبتهم فكان يؤم الناس في ( مسجد السادة ) في الكاظمية ويأتم به مختلف الطبقات هناك ، وكان يرشد الكثير من الشباب ويحثهم على إقامة الصلاة ويحذرهم من تركها ، وكان لنصائحه ومظهره أثر في نفوس سامعيه مما يدل على اخلاصه وصدق نيته ، فكان في مسجده عدد من الشباب في أوقات الصلوات ، ثم تورع عندما كثر الاقبال عليه وخشي أن يصيبه شيء من الاعجاب بالنفس فيبطل عبادته ، فانقطع رغم الالحاح عليه ولزم بيته إلى أن توفي في يوم الخميس ونقل إلى النجف الأشرف فدفن مع أبيه في بعض الحجرات القبلية في الصحن المطهر يوم الجمعة سابع ربيع الأول سنة 1376 هج وأقيمت له الفاتحة في ( مسجد الشيخ الأنصاري ) فكانت غاصة بالعلماء والصلحاء طيلة انعقادها ، وأرخ وفاته السيد محمد حسن آل الطالقاني بقوله :
بقية الأبرار يا من فيه قد * ريع الهدى وأيتم القرآن
للّه أنت هل ملاكا كنت أم * إنسا كما شاء لك الرحمن ؟
شهدت منك يا أبا المهدي ما * يعجز عن وصف له سحبان
كم ليلة سهرتها تحيى الدجى * عبادة ودمعك الطوفان