حكى التيفاشي ، فيما نقل عنه ابن منظور " * " 22 ، قال : " دخل عبد اللّه ابن غانم قاضي إفريقيّة على أميرها يزيد بن حاتم ، فجرى بينهما كلام ذكر فيه هلال رمضان ، فقال ابن غانم : أهللنا هلال رمضان ، فتشايرناه بالأيدي ، فقال يزيد :
لحنت - يا ابن غانم : إنما هو تشاورناه ، فقال ابن غانم تشاورنا من الشورى ، وتشايرنا من الإشارة بالأيدي ؛ قال يزيد : ما هو كذلك ! - قال القاضي : بيني وبينك قتيبة النحوي - وكان إذ ذاك قدم على يزيد ، وهو إمام الكوفة ، فبعث إليه وكان في قتيبة غفلة - فقال له يزيد : إذا رأيت الهلال وأشرت إليه وأشار غيرك إليه كيف تقول ؟ - قال : أقول : ربّي وربّك اللّه ! - فقال يزيد : ليس هذا أردنا - فقال ابن غانم : دعني أفهمه من طريق النحو ، قال يزيد : فلا تلقنه إذا - فقال له ابن غانم :
إذا أشرت وأشار غيرك وقلت تفاعلنا في الإشارة إليه ، كيف تقول ؟ قال : تشايرنا ، وأنشد لكثير عزة :
وقلت وفي الأحشاء داء مخامر * ألا حبذا يا عزّ ذاك التشاير !
فقال يزيد ، فأين أنت - يا قتيبة - من التشاور ؟ فقال : هيهات أيّها الأمير ، هذا من الإشارة وذاك من التشاور .
فضحك يزيد وعرف جفاء قتيبة واستحيا من ابن غانم " .
وبعد أن أقام قتيبة مدة طويلة في ضيافة يزيد أفاد فيها ونفع 23 ، رجع إلى المشرق حيث توفى 24 عن سن عالية * 25 .
ومن الوافدين على القيروان في القرن الثاني " أبو المنيع النحوي " 26 ولم نتوصل بعد إلى تعيين شخصه لإيراد شيء من خبره .
* * * هذه ثلة من غزاة العرب الأدباء ، وفرسانهم الشعراء القادمين على إفريقيّة التونسيّة في عصر الفتوح ، في مدّة خلافة بني أميّة وأوائل الدّولة العبّاسيّة . وليس من شك أن عدد هؤلاء الأدباء كان أوفر بكثير ممّا أوردنا ، لكن المصادر التاريخيّة القديمة الواصلة إلينا أغفلت ذكرهم ولم تمن بأخبارهم ، إلّا قليلا .
هامش
( * ) نتار الأزهار ص 55 .