القيروان ، لأن الفكرة التي تجمّعت لهذا البناء فأخرج منها قبّته كانت فكرة أصيلة لم تنقل عن مرجع سوري أو روماني أو فارسي أو مصري ، إذ لم يسبق لبناء من البناة أن أدخل على قبّته تلك العناصر التي تتكوّن منها قبّة جامع القيروان أو أقامها على مثل الأسلوب الذي تقوم هذه عليه .
" . . . وقد عثرت في القيروان أخيرا على آثار لموضع الكتابة التي كانت تمتدّ على واجهة بيت الصلاة المطلّة على البهو - قبل زيادة بلاطاته وإقامة قبّة البهو - ولا شكّ أن هذه الكتابة كانت تحمل اسم منشئها وتاريخ تجديد المسجد ، وقد ظلّت هذه العادة قائمة في الآثار التونسية ، وانبعثت بعد ذلك في الآثار الإسلامية في جميع البلاد ، وأصبحت خير دلالة على اهتمام المسلمين بفنون العمارة ، حتى ليفخر الرجل العظيم أو الأمير منهم بما يشيد ، ويحرص على تسجيله .
" وأخيرا يبقى عليّ أن أقول كلمة في منبر القيروان ، وهو أقدم المنابر المعروفة في الإسلام ، وأبعدها شهرة وأكثرها إبداعا . . . يتكوّن منبر القيروان من مائتين واثنتين وخمسين لوحة خشبية تنحصر كل منها في إطار زخرفي . . وقد نقشت كل من هذه اللوحات نحتة فنية بزخارف منحوتة ، مخرّمة ، مفرّغة بدقّة فائقة ورقة نادرة ورسم رشيق ، وتجمّعت في هذه اللوحات أنواع مختلفة من الزخارف :
نباتية وهندسية متفرّعة تارة ومتلاصقة تارة أخرى ، متعانقة أحيانا أو متشابكة ، ممتدة في البعض ملتفّة في البعض الآخر . وفي هذه اللوحات تتبيّن طبيعة الفن الإسلامي وتتجلّى فكرة رجاله فيسمو بهم الخيال إلى أبعد الآفاق ، تمتدّ ابتكاراتهم حتى لا تقف عند حدّ ، وتتنوّع أمامهم الصور فلا تنطبع على شكل واحد ، وتتجزأ في أيديهم الوحدة ، أو على العكس تتزايد وتتضاعف ، ويقف النظر أمام إنشاءاتهم حائرا لا يدري أين بدأت ولا أين تنتهي ، يلقى جديدا كلما جال بصره عليها فلا يملّ ولا يضجر ! " .
ولا يفوتنا أن نلمح هنا إلى أنه يوجد في إحدى حجرات هذا الجامع مكتبة أنشئت في عهد الأغالبة كانت عامرة بالمؤلفات القيّمة دامت العناية بها إلى القرن
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين — صفحة 63
مساهمون: حسن حسني عبد الوهاب
ص٦٣