وجاء الأتراك العثمانيون - آخر القرن العاشر - فسلكوا منهج سلفهم في إقامة المدارس في العاصمة وفي كبير المدائن التونسية ، ويبلغ عددها زهاء الثلاثين .
ويظهر أن المقصد الأصلي من إنشاء هذه المعاهد التعليمية هو رغبة أولي الأمر في إعداد فئة صالحة من الشباب للقيام بمهام الدواوين الإدارية ومصالح الحكومة .
* * * أما في العصر المتأخر فإن أول المنشآت التونسية للتعليم العالي المقتبسة من النظم الأوروبية كان ( المكتب الحربي -
( Ecole Polytechnique
بباردو الذي أسسه ( أحمد باي الأول ) في منتصف القرن الماضي ، وجلب إليه عددا من الضبّاط المرشدين من ممالك أجنبية مختلفة : من تركيا ، وفرنسا ، وإيطاليا ومن النمسا ، وأخرجت المدرسة رجالا كانت لهم المكانة الكبيرة في ميادين الإدارة ، والسياسة ، والتعليم ، نخص منهم بالذكر : الفريق ( حسين ) أول وزير معارف للبلاد ، والفريق ( رشيد ) وزير الحرب وقائد الجيش التونسي الذي شارك في حرب القريم
( Crimee )
وخلفه الفريق ( سليم ) وسواهم كثير ، ومن جميل مآثر هذه المدرسة الحربية أن ترجم تلاميذها - في مدة دراستهم - زهاء الأربعين مصنفا في فنون الحرب والهندسة ، والرياضة ، عرّبوها من لغات مختلفة - تركية ، وفرنسية ، وإيطالية - ولا زال معظم هذه التراجم في حيز الوجود مخطوطا .
ولما أنشئت ( المدرسة الصادقية ) - سنة 1293 ه 1876 م - بمساعي الوزير خير الدين - ألغى المكتب الحربي ، وتلقت " الصادقية " من يد سالفها شعلة النهضة التعليمية ، وهيأت في معملها المصل الملقّح لعناصر الشباب ، فأيقظته من سباته العميق وبعثته مقاما محمودا من العرفان والغيرة والتفكير ، وبذلك استحقت الصادقية ولاء تونس والتونسيين .
* * * وبعد ، فهذه خلاصة الأشواط التي قطعتها البلاد التونسية في مراحل " التثقيف " العالي ، وأملها اليوم أن يتواصل سيرها بعزيمة ثابتة في هذا العصر