وقد ساعد الأمراء الأغالبة على ظهور هذه الحركة العقلية المباركة وعلى نشرها بتأسيس أول جامعة إفريقية للعلم والترجمة وبث المبادئ الرياضية في الأوساط المغربية ، وهي ( بيت الحكمة القيرواني ) الذي ترأسه أبو اليسر الشيباني المقدم ( حدود سنة 265 ه ) .
وقد جلب إليها الأغالبة نفائس الكتب من أطراف العالم العربي : من العراق والشام ، ومصر ، كما ألحقوا به بعد ثلة من القسيسين المسيحيين ، استقدموهم من صقلية ، التابعة يومئذ لملكهم ، فانكبّت تلك النخبة على ترجمة مؤلفات يونانية ولا طينية في شتى الموضوعات من فلسفة ، وتاريخ وجغرافية ، وطب ونبات . والمؤكد أن من ضمنها قسما من من مصنف ( بلنيوس الكبير -
Pline L'Ancien
) في معنى التاريخ الطبيعي المتعلق بالحيوان والنبات كما أشار إليه الوزّاني المراكشي في تعريفه بأقطار المغرب ، وكانت هذه الترجمات ، تتمّ بمعونة رجال إفريقيين متضلعين في العربية .
انتفعت إفريقية التونسية أيما انتفاع بهذا الوعي ، فظهر فيها فلاسفة مجيدون منهم سعيد الحداد ، وأطباء ماهرون من أشهرهم أفراد بيت ( الجزار ) وهم أربعة تداولوا رياسة الصناعة ، ومنهم ( زياد بن خلفون ) و ( أعين بن أعين ) وسواهم .
ولا يغيب عنا أن نسوق هنا ما كان لجماعة من أبناء اليهود الإفريقيين من الاشتغال بالأخذ عن علماء بيت الحكمة القيرواني ، ثم تدريسهم به لفنون الفلسفة والطب والفلك والتقويم ، وفي مقدمة هؤلاء الطبيب الطائر الصيت : إسحاق بن سليمان الإسرائيلي ، والطبيب دونش - ويسمى أدنيم بن تميم - المعروف بالشّفلجي ، وموسى بن العزار ، وغيرهم كثير وقد قاموا بوضع أمهات الكتب في الفلسفة ، والطب ، والفلك ، وحوّلها بعضهم بعد ذلك من العربية إلى اللغة العبرية وإلى اللسان اللاطيني .
ومن تلاميذ هذا الرعيل عالم إسرائيلي يدعى ( نسيم بن يعقوب القيرواني ) ، فاق أقرانه في علم الهيئة وحركة الكواكب حتى أن الأسئلة كانت ترد عليه من يهود العراق في المشرق ، ومن الأندلس في المغرب ، يستفتونه في توقيت مواسمهم