ومن الرومانيين : سنّ القوانين ، وتنظيم المدينة ، وتعبيد الطرقات ، واستخراج المعادن ، وجلب المياه ، وتشييد الهياكل .
ومن الروم البيزنطيين : الترف . والملاهي والملاذّ . والتأنق في المأكل والملبس . والتكلف ، والتبذير .
ومن العرب : الدين . واللغة . ومكارم الأخلاق ، والعدل ، والمساواة ، وفصاحة اللسان ، وحماية العشير .
ومن الإسبان : كراهية المخالفين ، والتعصب للدين ، والتظاهر .
ومن الأتراك : الأخذ بناصر الضعيف ، وقلة المبالاة بالعواقب ، والإنفاق في أوجه البر ، واحتمال الخطوب .
ومن الفرنجة : مضاء العزم وانتهاز الفرص ، والترتيب والنظام واستعمال الآلات في المصنوعات ، وإخضاع القوات الطبيعية ، وتسخيرها لإرادة الإنسان وترك الوناء في طلب الرزق ، إلى غير ذلك من السجايا والنحائز التي يعسر التخلق بها بمحض الإرادة والاختيار ، ولا يتأتى رسوخها إلا بالتسلط والاستيلاء ، جريا على قاعدة اقتداء المغلوب بالغالب .
* * * وقصارى القول أن المجتمع التونسي اليوم هو صفوة ما اجتمع فوق أديم هذا القطر العزيز من المدنيات الكثيرة المتنوعة ، وليس يعوزه من الوسائل المتممة لرقيه سوى ملء الفراغ المعد لقبول المدنية العصرية وضمها إليه ، ليكون الوارث الحقيقي لسائر مدنيات العالم القديم ، ومتى فعل فاز بإحراز قصبات السبق في معترك الحياة على المجتمعات الأخرى التي يظهر الآن أنها السابقة في المجال ، وهي - وإن امتازت عليه بهذه المدنية المادية السهلة المنال - فهو ممتاز بما ورثه من التمدن القديم أضعاف أضعاف امتيازها ، وذلك هو الدليل على قوته ، وعلى استعداده للبقاء .
إن عصر عود الشباب لقرطاجنة ، والقيروان ، وتونس ، لا يحتاج لعمل شاق
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين — صفحة 33
مساهمون: حسن حسني عبد الوهاب
ص٣٣