نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته ، وكان واللَّه غزير الدمعة طويل الفكرة ، يحاسب نفسه إذا خلا ويقلب كفّيه على ما مضى ، يعجبه من اللباس القصير ومن المعاش الخشن ، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويدنينا إذا أتيناه ، ونحن مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلّمه لهيبته ، ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته ، فإن تبسّم فعن اللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدين ، ويتحبّب إلى المساكين ، لا يخاف القويّ ظلمه ولا ييأس الضعيف من عدله ، فأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل في محرابه وأرخى الليل سرباله وغارت نجومه ودموعه تتحادر على لحيته وهو يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي الآن أسمعه وهو يقول : يا دنيا إليَّ تعرّضت أم إليَّ أقبلت ؟ غرّي غيري لا حان حينك قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك ، فعيشك حقير وخطرك يسير ، آه من قلّة الزاد وبعد السفر وقلّة الأنيس ! قال : فوكفت عينا معاوية وجعل ينشفها بكمّه ، ثمّ قال : يرحم اللَّه أبا الحسن كان كذلك ! فكيف صبرك عنه ؟ قال : كصبر من ذبح ولدها في حجرها فهي لا ترقأ دمعتها ولا تسكن عبرتها . قال : فكيف ذكرك له ؟ قال : وهل يتركني الدهر أن أنساه « 1 » ؟ انتهى .
[
باب التاء
]
تأبّط شرّاً 128
لقب ثابت بن جابر أحد فرسان العرب ، يحكى أنّه كان أعدى الناس أي أجرأهم حتّى قيل : إنّه إذا جاع أطلق على رجليه خلف الظبية فأمسكها وذبحها وشواها وأكلها « 2 » .
توفّي سنة 530 مسيحي « 3 » وهو شاعر شهير .
قيل : لُقّب بهذا اللقب ، لأنّه تأبّط سيفاً وخرج ، فقيل لُامّه : أين هو ؟ فقالت : لا أدري تأبّط شرّاً وخرج « 4 » .
تاج الدين
الحسن بن محمّد الأصفهاني
129 المعروف بملّا تاجا ، تلميذ العالم الجليل المولى حسن عليّ . وهو والد الفاضل
هامش
( 1 ) المحاسن والمساوئ : 46 - 47
( 2 ) الأغاني 21 : 127 - 128
( 3 ) انظر ريحانة الأدب 1 : 314
( 4 ) المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام 9 : 642