فصل : في العلم المحمود والمذموم وأقسامهما ، وبيان ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية منه .
اعلم أن العلم باعتبار كونه محمودا ومذموما ثلاثة أقسام : قسم هو مذموم قليله وكثيره .
وقسم هو محمود قليله وكثيره ، وقسم يحمد منه مقدار الكفاية . فإن قلت : العلم هو معرفة الشيء على ما هو به وهو من صفات اللّه تعالى . فكيف يكون مع كونه علما مذموما ؟
قلت : إن العلم لا يذمّ لعينه ، وإنما يذمّ في حق العباد لأحد أسباب ثلاثة : أن يكون مؤديا إلى ضرر إما لصاحبه أو لغيره كعلم السحر والطلسمات فإنهما لا يصلحان إلا للإضرار بالخلق ، والوسيلة للشرّ شر .
والثاني : أن يكون مضرا لصاحبه كعلم النجوم ، فإنه غير مذموم لذاته إذ هو قسمان :
حسابي ، وأحكام . ولكن قد ذمّه الشرع من وجوه .
أحدها : أنه مضر بأكثر الخلق فإنه إذا ألقي إليهم أمور تحدث عقب سير الكواكب وقع في نفوسهم أن الكواكب هي المؤثّرة .
والثاني : أن أحكام النجوم تخمين محض . فالحكم به حكم بجهل فيكون ذمّه من حيث أنه جهل .
ومنهما : انه لا فائدة فيه ، وتضييع العمر النفيس في غير فائدة هو غاية الخسران . والسبب الثالث الموجب لذم العلم : الخوض في علم لا يستفيد الخائض فيه فائدة علم كتعلّم دقيق العلوم قبل جليها ، فإذا علمت ذلك تيقّنت أن من العلوم ما هو مذموم قليله وكثيره كعلم السحر والطلسمات والنجوم وما شاكلها .
وأما القسم المحمود قليله وكثيره فهو العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله وحكمته ، وهو بحر لا يدرك غوره ، ويعين عليه المجاهدة والرياضة وتصفية القلب وتفرقه عن علائق الدنيا . وأما القسم الذي يحمد منه مقدار الكفاية : كالطب والحساب والنحو وما شابه ذلك .
واعلم أن فروض الأعيان من العلم ثلاثة : اعتقاد ، وفعل ، وترك ، فإذا بلغ الرجل العاقل فأول واجب عليه تعلّم كلمتي الشهادة وفهم معناهما ، ويندرج فيه علم التوحيد « 1 » ولكن ليس يجب عليه البحث ، وتحرير الأدلة ، بل يكفيه التصديق والاعتقاد جزما ، وقد يحصل ذلك
هامش
( 1 ) التوحيد لغة : الحكم بأن الشيء واحد ، وعند أهل الحقيقة تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الأفهام وهو ثلاثة : معرفة اللّه تعالى بالربوبية ، والإقرار بالوحدانية ونفي الأنداد عنه جملة . انظر الجرجاني ، التعريفات ، ص 69 .