فانطلقا إلى علي عليه السلام وأخبراه بمقالة معاوية ، فقال لهما : إنّه يطلب الذين ترون ، فخرج عشرون ألفا متسربلي الحديد لا يرى منهم إلّا الحدق ، فقالوا : كلّنا قتله ، وإن شاؤوا فليروموا ذلك منا .
فرجع أبو أمامة وأبو الدرداء فلم يشهدا شيئا من القتال . انتهى .
فإنّه كالنصّ في أنّهما لم يقنعهما قول علي عليه السلام أنّه لم يقتله ، وإنّه لا يسوغ له دفع قتلته إلى معاوية ، كما أنّه ظاهر في أنّ رجوعهما عن علي عليه السلام كان من تلقاء أنفسهما ، وكذلك عدم قتالهما مع أحد الفريقين ، ولو كانا يعتقدان إمامته لم يكن لهما مساغ عن مفارقته ، ولا عن ترك الحرب معه . نعم ؛ كانا يعتقدان أنّه أحقّ بالخلافة من معاوية لقدمه وقرابته ونحوهما ، وأمّا الإمامة التي يعتقدها به عمّار . . وأضرابه فهذا الرجل بعيد عنها ، أبعده اللّه وأخزاه ، كما أبعده عن السعادة بالمحاربة مع سيّد المسلمين وأمير المؤمنين .
وإذا جهل حق أمير المؤمنين عليه السلام كان الأولى له أن يتّبع الصحابة وهو منهم ، فقد كان مع علي عليه السلام منهم نحو سبعمائة رجل من الأنصار وبينهم ، ولم يكن مع معاوية سوى سبعة من أشقيائهم .
وهذا قرينه أبو الدرداء كان - على ما ذكره ابن أبي الحديد - مقيما بالشام ، ملازما لمعاوية ، استأذن عليه يوما فحجبه ، فقيل له في ذلك فقال : من يغش أبواب الملوك يهان أو يكرم .
ثمّ على فرض كون الرجل عارفا بحقّ أمير المؤمنين عليه السلام تماما وكمالا ، كانت الحجّة عليه في ترك القتال معه آكد ، ووزره أشدّ ، وكان من
تنقيح المقال في علم الرجال — صفحة 407
مساهمون: الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )
ص٤٠٧