وكان معدودا في العلماء ، خبيرا بالعلوم ، متضلعا بالفنون ؛ من فقه وحديث ، وتفسير ونحو ، وأدب ولغة ، وحساب ومنطق ، ومعان وبيان ، وأصلين وهيئة ، وهندسة وجبر ، ومقابلة وتعديل ، وشعر وتاريخ . . . وغير ذلك . وله معرفة بأيام الملوك وسياساتها ، ونظم رائق ، وخط بارع ، وتآليف حسنة ؛ ككتاب " السياسة " ، وكتاب " الأدعية " . . . وغير ذلك . وتقاييد على بعض الأحاديث أجاب عنها بأجوبة بديعة .
وكان جم الفوائد ، حسن المذاكرة ، حلو المحاضرة . وإذا قرئ بين يديه البخاري أو غيره ؛ صدرت منه أبحاث رائقة ، واعتراضات فائقة ، لا يكاد يمكن التفصي منها ، ولا الجواب عنها .
وكان من أهل العقل والفضل ، وحسن السيرة ، وبعد الهمة ، واصطناع المعروف . له آثار جليلة ، وأعلام جميلة ، إماما عادلا ، وهماما باسلا ، وملكا فاضلا ، ماضي العزيمة ، نافذ الصريمة ، ثابت الجنان ، طويل السنان ، ذا رفد عميم ، وعهد كريم .
وكان له اعتناء باقتناء الكتب ، وبعمل المولد النبوي ، ويحضره معه أعيان العلماء والشرفاء .
ويحمل علماء وقته وأدباءه على نظم قصائد بليغة في المدح النبوي ، تنشد بين يديه .
ولد بفاس سنة ست وخمسين وتسعمائة ، وبها نشأ في عفاف وصيانة . وأخذ عن جماعة [ 226 ] من الأيمة ؛ كأبي العباس أحمد بن قاسم القدومي الأندلسي ، وأبي مالك عبد الواحد بن أحمد الحميدي ، وأبي زكرياء السراج ، وأبي العباس المنجور ؛ وله كتب فهرسته التي عد فيها أشياخه وما رواه عنهم ، وأجازه بجميع ما اشتملت عليه . وأخذ الحديث عن أبي النعيم رضوان بن عبد اللّه الجنوي ، وأجاز له : سقين عن زكرياء والقلقشندي عن ابن حجر .
وقد عده القصار في أبيات وجدت بخطه من رسالة كتب بها إليه من المجددين على رأس القرن العاشر ؛ ونص الأبيات :
روى أبو داود ثم الحاكم * ما صح من بعث المجدد اعلموا
برأس كل مائة وابن الرسول * شرط في الحديث فالغير يزول
ولم نجد من جدد الدين سوى * إمامنا المنصور بالكفر توى
بخيله وناره أحيا العلوم * وأهلها وكتبها على العموم
في كل يوم جوده على الشريف * ثم الأسير والفقيه والتريف
أما المساجد فكالجنات * حسنا وتدريسا على الساعات
أبقاه ربنا لإحيا الدين * في قوة وغلب متين