ثم قال المقري : « ولعل من فعل تقبيل المثال الشريف ممن يقتدى به من علماء المالكية - أي : مع أن مذهبهم الكراهة - قلد من يرى جواز ذلك من علماء الأمة ، واللّه سبحانه أعلم . قال : ولولا أمرهم باللثم والتقبيل ؛ لأمكن أن يقال : غلبهم الشوق ففعلوا ما فعلوا من ذلك من غير اختيار ، على حد قوله . فقلت :
ومن يملك شفاها مشوقة * إذا ظفرت يوما بمنيتها القصوى
الأبيات المشهورة » . انتهى المراد منه . وانظره .
وفي " شرح الحصن " ما نصه : « وفي " الفتح " : لابن حجر : استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الحجر جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي وغيره ؛ فأما تقبيل يد الآدمي ؛ فيأتي في كتاب :
الأدب . وأما غيره ؛ فنقل عن الإمام أحمد أنه : سئل عن تقبيل منبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وتقبيل قبره ؛ فلم ير به بأسا ، واستبعد بعض أصحابه صحة ذلك . ونقل عن ابن أبي الصيف اليماني - أحد علماء مكة من الشافعية - جواز تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين . . .
واللّه الموفق » .
وقال العلامة ابن زكري في شرح " همزيته " ما نصه : « كراهة تقبيل القبر هو مذهب كثير من العلماء ، وخصوصا المالكية ، وقيل : لا ؛ فعن ابن عمر أنه مسح منبره صلّى اللّه عليه وسلم بيده .
وعن يحيى بن سعيد - شيخ مالك - مثله حين أراد الخروج إلى العراق وجاء إلى المنبر فمسحه ، وفي كتاب " العلل والسؤالات " لعبد اللّه بن أحمد بن حنبل : سألت أبي عن الرجل يمس منبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم يتبرك بمسه وتقبيله ويفعل بالقبر مثل ذلك رجاء ثواب اللّه تعالى ؛ فقال : لا بأس .
وروي أن بلالا وضع خديه على القبر الشريف . وروي أنه أتى القبر فجعل يبكي ويمرغ وجهه عليه .
ونقل عن ابن أبي الصيف والمحب الطبري جواز تقبيل قبور الصالحين » .
وفي " الفتح المبين " لسيدي عبد اللّه الخياط الهاروشي ما نصه : « وسئل شيخنا العياشي - حفظه اللّه - عما يفعله العوام من تقبيل التوابيت والتمسح بالستور التي تكون هنالك - يعني عند قبور الصالحين - فقال : هذه أذيال اللّه وهؤلاء يتشبثون بها ! ! » . وشيخه المذكور هو : أبو عبد اللّه محمد : كان من أهل [ 46 ] العلم والعمل والورع والزهد ، والمعرفة باللّه تعالى . وقد ترجمه في الكتاب المذكور بترجمة حسنة ، فانظر ما فيه إن شئت .
والحاصل - كما قاله في " الدر النفيس " - أنه : اختلف في الكراهة وعدمها بين الصحابة والتابعين وغيرهم ، والجامع بينهما قول الخطيب البغدادي : « لا شك أن الاستغراق في المحبة يحمل على الإذن في ذلك ، والقصد به التعظيم ، والناس تختلف مراتبهم في ذلك كما في الحياة ؛ فمنهم من لا