بل هذا المزور الخالي من الولاية يرجى له الخير بسبب ما يهدي الناس له من الدعاء والرحمة ، وثواب القراءة والذكر ، والصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وغير ذلك ، سيما إن دام ذلك سنين عديدة ، أو قرونا كثيرة ، وفضل اللّه تعالى واسع ، ومن كرمه تعالى أنه يرحم عبده بما يعذبه به .
وقول بعض العامة تحذيرا من اعتقاد من لم تتحقق ولايته من الأموات : « كم من گرابز تحت الدرابيز « 1 » » . كلام بشيع غير صحيح ، فلا يقبل من قائله ، لما فيه من سوء الأدب ، إذ موجبه سوء الظن باللّه وبعباده ، وفيه أيضا تحجير لرحمة اللّه الواسعة ، واللّه ذو الفضل العظيم ، وانظر " سلوك الطريق الوارية في الشيخ والمريد والزاوية " للشيخ الواعظ الصوفي أبي عبد اللّه سيدي محمد المنالي الشهير بالزبادي ، في ترجمة الشيخ أبي عبد اللّه سيدي محمد جسوس نفعنا اللّه به .
الرابع : الشيوخ أقسام ثلاثة : منهم من كان لا يمنع مريديه من الزيارة مطلقا ، بل ولا من الصحبة .
كما نقل عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي - رضي اللّه عنه - أنه كان يقول لأصحابه : « اصحبوني ولا أمنعكم أن تصحبوا غيري ؛ فإن وجدتم منهلا أعذب من هذا المنهل فردوه » ، وهذا عزيز الوجود جدا ، وقل أن يحصل من أحد من المشايخ .
ومنهم : من كان يمنعهم منها مطلقا ، لما يخاف أن يحصل في ذلك من الضرر للمريد ؛ كانحلال عقد الشيخ من قلبه ، أو ما هو أعظم من انتقاله عنه إلى غيره ، وقد لا يحصل له الانتفاع بواحد منهما .
ولذا قال الشيخ زروق : « ولا تنتقل عنه ولو رأيت من هو أعلى منه ، فتحرم بركة الأول والثاني . قال :
ولذلك كان المشايخ يمنعون أصحابهم من صحبة غيرهم ، بل من زيارتهم كما قال :
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به * في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل » .
وقال الشيخ الأكبر في الكلام على آداب الشيخ : « ينبغي له أن لا يترك أصحابه يجالسون أصحاب غيره من الشيوخ ، ولا يزورون شيوخهم » ، يعني : لما ذكرناه . وصاحب هذا لا ينبغي له أن يزور مطلقا ، إلا إن أذن له الشيخ فيها عموما أو خصوصا لمعنى يلوح له فيه بخصوصه ؛ فلا حرج .
وإلا أن يحصل له الرشد في طريق القوم فيملك أمر نفسه فيذهب حيث شاء ، كما قال مالك : « إذا بلغ الرجل فليذهب حيث شاء ، وإلا أن يمنع الشيخ ، من تربيته مانع ، إما من موته ، وعدم الإذن له في التربية بعد الموت ، كما [ 30 ] هو الشأن والغالب .
وإما من عدم أهلية المريد للتلقي عنه بعد الموت ، حيث كان مأذونا له فيها بعده ، كما هو حال بعض الخواص من الأكابر ، فله أن يطلب حينئذ من الأحياء من يربيه ويسلك به إلى اللّه عزّ وجل .
هامش
( 1 ) الدرابيز : جمع دربوز ، قبة من خشب توضع على القبر إشهارا له .