السياسي لم يحل دون الازدهار العلمي ، وانكباب العلماء على الكتب
يجمعون فيها خلاصة تجاربهم ، وما وصلوا إليه من آراء ، بل يبدو أن هذه
الحياة السياسية الصاخبة المضطربة جعلته ينصرف عنها إلى الدراسة
والإنتاج ، فانا لا نعرف له مشاركة في الأحداث السياسية ، وكل ما عرفه
له التاريخ انه كان شيخا من شيوخ الأدب .
ولم يحدثنا من أرخ له عن ثقافته ، ولكننا نستطيع أن نعرف هذه
الثقافة من المنهج الثقافي الذي وضعه ، وأوجب على الشعراء أن يأخذوا به ،
فقد كان شاعرا ، ومن المرجح أن يكون قد عمل بهذا المنهج ، فإنه يراه
ضروريا للشاعر إذ يقول : وللشعر أدوات يجب اعدادها قبل مراسه
وتكلف نظمه ، فمن تعصت عليه أداته لم يكمل له ما يتكلفه ، وبان الخلل
فيما ينظمه ، ولحقته العيوب من كل جهة .
فمنها التوسع في علم اللغة والبراعة في فهم الاعراب ، والرواية
لفنون الآداب ، والمعرفة بأيام الناس وأنسابهم ، ومناقبهم ومثالبهم ،
والوقوف على مذاهب العرب في نظم الشعر ، والتصرف في معانيه ، في كل
فن قالته العرب فيه ، وسلوك مناهجها في صفاتها ، ومخاطباتها ،
وحكاياتها ، وأمثالها .
ولا بد أن يكون قد درس ذلك ، وأن يكون قد أضاف إليه معرفة
واسعة بتقاليد العرب وعاداتها .
ويمضي ابن طباطبا في إيراد الشواهد الكثيرة المنبئة عن تلك
التقاليد ويظهر أن ابن طباطبا كان رجلا مشغوفا بالعلم ، مكبا على
تحصيله مقبلا على العلماء يأخذ عنهم ما رووه في حب واستزادة ، حتى صح
له أن يفتخر ويقول :
حسود مريض القلب يخفى أنينه * ويضحي كئيب البال منى حزينه
يلوم على أن رحت في العلم راغبا * اجمع من عند الرواة فنونه
وأسلك أبكار الكلام وعونه * وأحفظ مما استفيد عيونه
ويزعم أن العلم لا يجلب الغنى * ويحسن بالجهل الذميم ظنونه
فيما لائمي ، دعني أغالي بقيمتي * فقيمة كل الناس ما يحسنونه
إذا عدا غنى الناس لم أك دونه * وكنت أرى الفخر المسود دونه
إذا ما رأى الراؤون وعيه * رأوا حركاتي قد هتكن سكوته
وما ثم ريب في حياتي وموته * فأعجب لميت كيف لا يدفنونه
أبى الله لي من صنعة ان يكونني * إذا ما ذكرنا فخرنا وأكونه
وكان مغرما بالكتب يعدها أغلى من الأصدقاء ، ويقول :
إذا فجع الدهر امرأ بخليله * تسلى ، ولا يسلى لفجع الدفاتر
بل إن له كتابا في تقريظ الدفاتر .
وهو يؤمن بان من صح طبعه وذوقه لم يحتج إلى الاستعانة على نظم
الشعر بالعروض التي هي ميزانه ، ومن اضطراب عليه الذوق لم يستغن من
تصحيحه وتقويمه بمعرفة العروض والحذق به .
ولكنك تعجب ان يذكر له ياقوت ضمن ما صنفه كتابا في العروض لم
يسبق إلى مثله ، فلعل كراهيته لهذا العلم دعته إلى أن يصمم على تذليله ،
إلى درجة تمكنه من التاليف فيه ، أو لعل وصف كتابه بأنه لم يسبق إلى مثله
يؤذن بأنه نهج في عرض هذه المادة نهجا جديدا يسهل جناها للدارسين .
ولست أدري موقفه من علم القوافي ، وهو ملازم لعلم العروض
وشقيق له في التاليف ، غير أنه قد وصل في كتابه عيار الشعر إلى حصر
قوافي الشعر .
وأعان ابن طباطبا على طلب العلم ما عرف به من الذكاء
والفطنة ، وصفاء القريحة ، وصحة الذهن .
ومما يروى للدلالة على سرعة حفظه ان أحد الرواة ذكر أن ابن
طباطبا دخل إلى دار حملت إليها من بغداد نسخة من شعر
عبد الله بن المعتز فطلب استعارتها ، فسوف بها ، فتمكن في الدار ان
ينظر فيها ، ثم طلب محبرة وقرطاسا ، ثم اخذ يكتب عن ظهر قلبه
مقطعات من الشعر ، حتى إذا فرع من نسختها أحصيت الأبيات التي
قيدها ، فبلغ عددها مائة وسبعة وثمانين بيتا حفظها من شعر ابن المعتز
في ذلك المجلس ، واختارها من بين سائرها . وكان ذلك في آخر أيامه .
وساعده عليه أيضا انه كان غنيا يستطيع ان يفرع للدراسة
والاطلاع ، ويدلنا على غناه أنه يقول لمن يزهده في طلب العلم بحجة انه
لا يجلب الغنى :
إذا عد أغنى الناس لم أك دونه * وكنت أرى الفخر المسود دونه
فهو غنى ، ولكنه لا يكتفي من الحياة بالغنى وحده ، بل يريد إلى
جانبه مجدا علميا يجلب له الفخر والسؤدد .
وإذا كان ابن طباطبا غنيا يكره الفقر ، ويرى أن الحر يؤثر الموت
عليه ، إذ يقول :
قد يصبر الحر على السيف * ويجزع الحر من الحيف
ويؤثر الموت على حالة * يعجز فيها عن قرى الضيف
فإنه كان يحب القصد في الغنى ، ويكره الاسراف فيه ، ويرى
الشراهة في جمع المال مهلكة لصاحبها ، إذ تصرفه عن المجد العلمي ،
ولعلنا ندرك ذلك من قوله :
ان في نيل المنى وشك الردى * وقياس القصيد ضد السرف
كسراج دهنه قوت له * فإذا غرقته فيه طفى
ومما لا ريب فيه أن ذلك خير الأوضاع لطلب العلم والتفرع له :
غنى لا تصحبه شراهة إلى الازدياد .
ولم يقتصر ابن طباطبا على التحصيل وحده ، بل ترك لنا انتاجا
أديبا بقي بعضه وباد بعضه ، فمن ذلك :
1 كتاب عيار الشعر الذي جمع آراءه في النقد الأدبي ، وقد
حققه وعلق عليه ، وقدم له ، ونشره سنة 1956 م الدكتور طه الحاجري ،
والدكتور محمد زغلول سلام .
2 وكتاب تهذيب الطبع ولعله هو كتاب الشعر والشعراء
الذي نسبه اليه ابن النديم في كتابه : الفهرست .
أما كتاب تهذيب الطبع فقد أشار إليه الناقد في أكثر من موضع
في كتابه : عيار الشعر ، فهو يبين الغرض من تأليفه إذ يقول : وقد
جمعناه ما اخترناه من أشعار الشعراء في كتاب سميناه : تهذيب الطبع
أعيان الشيعة — صفحة 73
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٧٣