وقال أيضا وقد جاء خبره . إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أني احتسبه
عندك فان موته من مصائب الدهر .
وقال : لله در مالك ، أما والله ليهدن موتك عالما ليفرحن عالما ،
على مثل مالك فلتبك البواكي ، وهل موجود كمالك .
بقي ان نذكر لك ناحية أخرى هامة عند هذا الرجل الكبير ، فقد
كان شاعرا من شعراء البطولة ولكن البطولة غلبت عليه رغم موهبته
الشعرية .
يبرز شاب في معركة الجمل لمالك فيلقيه مالك أرضا ويهم بقتله
فيذكره الشاب الصريع بالقرآن ويتلو عليه حاميم والشاب يعلم أن مالكا
لا يؤخذ بأمر كما يؤخذ بالقرآن فيقول الأشتر مجيبا .
يذكرني حاميم والسيف مصلت * فهلا تلا حاميم قبل التقدم
هتكت له بالرمح جيب قميصه * فخر صريعا لليدين وللفم
على غير شئ غير أن ليس تابعا * عليا ومن لا يتبع الحق يندم
وقد اختصر الأشتر مذهبه السياسي في البيت الأخير وذلك : ان
من لا يتبع عليا مخالف للحق وحقت عليه الندامة ووجب قتاله وهي
أبيات على بساطتها تدل على قوة في الشكيمة وبلاغة في الأداء لا تأتيان
الا للشعراء .
ويدعو عبد الله بن الزبير إلى البراز فينزل إليه وهو شاب في عنفوان
الشباب ويلتقي بمالك وقد بلغ الثمانين من العمر على قول بعض
الروايات ، وكان رغم سنه يصوم في الحرب ، فيصرع عبد الله ويجثم على
صدره فيصبح عبد الله مستغيثا .
اقتلوني ومالكا * واقتلوا مالكا معي
فيهيب مالك عن فريسته ثم يروي الحكاية مخاطبا عائشة :
أعائش لولا انني كنت طاويا * ثلاثا لألقيت ابن أختك هالكا
غداة ينادي والرماح تنوشه * كوقع الصياصي اقتلوني ومالكا
فنجاه مني شبعه وشبابه * وأني شيخ لم أكن متماسكا
وابن أخت عائشة هو عبد الله بن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر
ذات النطاقين .
وكان يصور نفسه في الحرب تصويرا صادقا فيقول :
لأوردن خيلي الفراتا * شعث النواصي أو يقال ماتا
كما يقول لاحد مبارزيه محذرا مخوفا :
بليت بالأشتر ذاك المذحجي * بفارس في حلق مدجج
كالليث ليث الغابة المهيج * إذا دعاه القرن لم يعرج
وانظر إلى قوله يخاطب عمرو بن العاص حين هم بمبارزته وهو ملآن
حنقا عليه لأنه في رأيه مورث النار ومحرك للخلاف ، وانه أيضا صاحب
الحيلة في الحرب :
يا ليت شعري كيف لي بعمرو * ذاك الذي أوجبت فيه نذري
ذاك الذي اطلبه بوتري * ذاك الذي فيه شفاء صدري
ذاك الذي ان القه بعمري * تغل به عند اللقاء قدري
وليس خافيا اني انما اتيت بشعر هذا الفارس البطل لا دلل على أنه
كان مطبوعا على قول الشعر وان أيامه الرهيبة المخوفة لم تترك له الفرصة
الكافية للتجويد في هذا الفن واتقانه ، الاتقان اللازم لكل فن ، ولكن
نفسه بالفتح في شعره يدل على أن وراءه طبعا شاعرا أصيلا وان الشعر
بالنسبة له صديق ورفيق يلجأ إليه للتنفيس عن صدره كلما حزبه امر أو نبا
به منزل .
والشعراء الفرسان لا يستطيعون ان ينصرفوا إلى فنهم انصرافا تاما
لانشغالهم بمزية أخرى غير مزية الشعر ولان شهرتهم في الشجاعة والبطولة
تغلب على شهرهم الفنية فهم يظلون في المرتبة التالية بالنسبة للشعراء
المتفرغين ان صحت التسمية .
هذا هو مالك الأشتر البطل المعروف والسيد المشهور ، فهو فارس
وسياسي وشاعر . 77 :
السيد مبارك الملقب بالأزرق لزرقة عينيه ابن مطلب المشعشعي .
وباقي نسبه مذكور في تراجمهم ، من السادة المشعشعية المعروفين
بالموالي حكام الحويزة وما يتبعها من قبل ملوك إيران الصفوية .
توفي سنة 1026 ونقل إلى النجف فدفن خارج السور قريبا من مقام
صاحب الزمان كان والده في الدورق وكان مبارك حدث السن فلم يرض
أبوه سيرته فزوجه ابنة عمه السيد مناف والدة السيد بدر لعله يرجع فلم
ينجع فيه ذلك فأخرجه من الدورق فانتقل إلى شط العمارة وأطراف الجوازر
واجتمع بجماعة من آل غزين من أهل عمله وهو قطع الطريق وجعل يغزو
بهم ولما توفي السيد سجاد المقدم ذكره اتفق رأي الاعراب على اخراج الملك
من المشعشعين واقتسامه بينهم فلم يستقم لهم ذلك فأرسلوا إلى السيد زنبور
وحكموه عليهم وكان ساكنا في دزفول ولكون بنت بركة أخت الأمير سعيد
أمير امراء كربلاء والمشار اليه فيها أخت السيد مطلب وهي والدة مبارك
فأرسل سعيد إلى السيد مطلب يطلبه واعلمه بطلبهم للسيد زنبور فأرسل
مطلب لولده مبارك ومطلب في ذلك الوقت حاكم رامهرمز ونواحيها وكان
مبارك خرج مرة ومعه ابن عمه فرج الله بن لاوي وثلاثة خدام فاتفق رأيهم
ان يأتوا إلى سلطان الأوشار علي سلطان فاتوا اليه فلم يعتن بهم كثيرا فقال
مبارك لفرج الله غدا يركب السلطان للقنص فنقتله غيلة فلما كان الغد ركب
السلطان وهم معه فوصلوا نهرا يابسا وتقدم السلطان للعبور فسل مبارك
سيفه وضربه فقطع رأسه وهرب مع جماعته فلحقتهم الخيل فجعل فرج يكر
عليها ويردها ومرة يكر عليها مبارك حتى هزموها وغنموا ما في خيامها
وجاؤوا إلى الدورق ثم إنه في الغد جاء إلى باب دار خاله سعد وطلب
مواجهته وخرج اليه فقتله مبارك واجتمعت قبيلة سعد وأحاطت بالقلعة
فرمى إليهم برأسه فتفرقوا وفرق فيهم من أموال خاله وأرضاهم ثم توجه
بهم لحرب زنبور وهو بالحويزة وقت الضحى فوصلها عند العصر وانتقل
زنبور إلى بلد المشكوك فوصلها زنبور آخر الليل وصبحها مبارك طلوع
الشمس فخرج زنبور إلى دزفول وتخلف عنه أكثر عسكره في الطريق
والتحقوا بمبارك فأقام مبارك في المشكوك أياما ثم لحق زنبور إلى دزفول
وكتب إلى والده بذلك فعلم والده انه يتمكن في الولاية فذهب إلى سلطان
الفرس الشاه عباس فعلم زنبور بذلك فأرسل إلى طريقه من قبض عليه
واتى به اليه فخيره بين القتل وارجاع ولده فقبل بارجاع ولده وحلف على
ذلك وفي الصباح أتى مبارك بجنوده فخرج اليه زنبور بمن معه ثم خرج من
أعيان الشيعة — صفحة 42
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٤٢