تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان الشيعة — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
في شهر صفر سنة 626 ه‍ . 1229 . وعلى اثر خروجه دخل الرئيس أبو جميل زيان بلنسية ونزل بالقصر ، ودعا للخليفة العباسي ، واستقبله الشعب بأعظم مظاهر الحماسة والترحيب . ولبث السيد أبو زيد مدى حين بمقره على مقربة من بلنسية ، فلما رأى تطور الأمور على هذا النحو ، ولما لم يجد سبيلا إلى استرداد سلطانه ، عول على أن يلتجئ إلى خايمي الأول ملك أراجون ، وكان يعقد بلاطه يومئذ بقلعة أيوب ، فسار اليه ومعه كاتبه ابن الابار . وهنا تبدأ تلك للصفحات المشجية من حياة ابن الابار الدبلوماسية . وقد وقفنا في أحد مخطوطات الاسكوريال على هذين البيتين ، اللذين أنشدهما ابن الابار حين مغادرته لبلنسية مع مخدومه السيد أبي زيد ، وهما : الحمد لله لا أهل ولا ولد * ولا قرار ولا صبر ولا جلد كان الزمان لنا سلما إلى امد * فعاد حربا لنا لما انقضى الأمد ومنهما يبدو ان ابن الابار ، حين مغادرته لبلنسية ، كان وحيدا ، لا أهل له ولا ولد ، ومن ثم كان اقدامه على مشاركة السيد في مغامرته ، التي لم يكن يقدر يومئذ مدى خطورتها ، وكان ابن الابار يومئذ شابا في عنفوانه ، في الحادية والثلاثين من عمره . والحقيقة ان هذا الأمير الموحدي السيد أبا زيد كان ينوي ان يذهب في ارتمائه في أحضان النصارى ، إلى أبعد مدى يمكن تصوره . وكان خايمي الأول ملك أراجون ، من جانبه يحاول ان يجتنى لقاء معاونه الأمير المسلم ، أقصى ما يمكن اجتناؤه من أشلاء الأندلس . وكانت بلنسية بالذات هي أعز أمانيه ، وتاج أطماعه . ومن ثم فقد عقدت بين الأمير الموحدي وملك أراجون ، معاهدة صداقة وتحالف ، تقضي بان يسلم الأمير الموحدي اليه جزءا مما يفتتحه من الأراضي والحصون الاسلامية ، وان يحتفظ الملك خايمي كذلك بكل ما يقوم بافتتاحه هو من الأراضي والحصون لنفسه ، وان يسلم اليه السيد أبو زيد عدة حصون وبلاد هامة في منطقة بلنسية رهينة بولائه ، وان يقوم ملك أراجون لقاء ذلك بحماية السيد والدفاع عنه ضد أعدائه . وليست لدينا تفاصيل عن الدور الذي أداه ابن الابار ، في عقد هذه المعاهدة . ولكن يبدو لنا من تصرفه اللاحق ، انه لم يكن راضيا عن هذا التسليم المزري ، الذي عمد اليه السيد أبو زيد ، في أراضي الوطن الأندلسي وحصونه ، تحقيقا لأطماعه الشخصية . بل يلوح لنا انه كان فوق ذلك على علم بما ينتويه السيد من خطوات لاحقة ، أبعد مدى وأشد ايلاما للنفس . ذلك أن ابن الابار ما لبث ان غادر مخدومه السيد أبا زيد ، وعاد مسرعا إلى بلنسية ، وهناك التحق بخدمة أمير بلنسية الجديد أبي جميل زيان ، وتولى منصب كتابته ، وكان ابن الابار ، قد ظهر في هذا احميدان ببلاغته الأخاذة وبيانه الرائع . اما السيد أبو زيد ، فقد ذهب في مغامراته إلى حد أعناقه ، دين النصرانية واتخذ اسما نصرانيا هو بشنتى أو بجنت بالعربية . وأصبح يسمى في الوثائق النصرانية بثنتي ملك بلنسية وحفيد أمير المؤمنين . وتجمع الرواية الاسلامية على صحة واقعة تنصر هذا السيد الموحدي ، وتنحى عليه بأشد ضروب الانكار واللوم . ولقد كان ابن الابار صادق الحس ، بعيد النظر ، حينما ترك مخدومه الضال لمصيره المحزن ، ومن المحقق انه نبذ في ذلك كل إغراء ، وكل وعود براقة ، ولم يقبل ان يتورط لحظة ، فيما يعتبره خيانة لوطنه وأمته ودينه . كانت هذه التجربة الأليمة أول عهد ابن الابار بالمغامرات الدبلوماسية ، بيد ان القدر كان يدخره لمهام دبلوماسية أخرى ، أشد ايلاما للنفس ، وابعث إلى الحسرة والأسى . ذلك أن صرح الأندلس القديم الشامخ ، قد اخذ في تلك الآونة العصبية يهتز ويتداعى . أجل ان قوى الأندلس المفككة ، كانت عندئذ تحاول ان تجتمع في الشرق تحت زعامة المتوكل ابن هود ، وفي الوسط والجنوب تحت زعامة محمد بن الأحمر ، ولكن هذه الزعامات المحلية الجديدة ، لم تكن لتستطيع ، والفتنة تمزق أوصال الأندلس ، ان تصمد بمواردها المحدودة في وجه إسبانيا النصرانية . وكان خايمي الأول ملك أراجون ، فراناندو الثالث ملك قشتالة ، يرقب كل منهما فرصته ، لانتزاع ما يمكن انتزاعه من أشلاء الأندلس الممزقة . وشاء القدر ان يكون ملك قشتالة هو السابق بانتزاع كبرى قواعد الأندلس التالدة فاستولى على قرطبة عاصمة الخلافة القديمة في شوال سنة 633 ه‍ يونية 1226 م . واخذ ملك أراجون من جانبه يمهد للاستيلاء على بلنسية ، وذلك بانتزاع حصونها الامامية شيئا فشيئا . كل ذلك وزيان أمير بلنسية يقاوم الأرجويين ما استطاع . وأخيرا مزقت قوى البلنسيين في معركة انيشة الحاسمة على مقربة من بلنسية سنة 634 ه‍ . وامتنع زيان بفلوله داخل الثغر العظيم ، وعول ملك أراجون على أن يأخذ بلنسية بالحصار والمطاولة ، فجمع جيشا مختارا من فرسان الداوية والاسبتارية والأرجونيين والقطلان والمتطوعة الفرنسيين ، وسار إلى بلنسية ، وطوقها بقواته من البر ، وضرب محلته بينها وبين البحر ، لكي يقطع سائر علائقها مع الخارج ، وبدأ هذا الحصار الشهير في رمضان سنة 635 ه‍ ابريل 1238 م . في تلك الآونة العصيبة ، اتجهت انظار الأمير زيان ، بتوجيه وزيره وكاتبه ابن الابار إلى إخوانه المسلمين في الضفة الأخرى من البحر ، إلى مملكة إفريقية تونس الفتية القوية أو مملكة بنى حفص ، وكان عاهلها الأمير أبو زكريا بن أبي حفص قد استطاع ان يجعل منها في فترة قصيرة قوة زاخرة يحسب حسابها . وبعث زيان إلى أمير إفريقية سفارة على رأسها وزيره وكاتبه ابن الابار ، يحمل اليه بيعته وبيعة أهل بلنسية ، وصريحه بسرعة الغوث والأنجاد قبل أن يفوت الوقت ، ويسقط الثغر الأندلسي العظيم في أيدي النصارى . ولما وصل ابن الابار إلى تونس ، مثل بين يدي سلطانها الأمير أبي زكريا الحفصي ، في حفل مشهود ، والقى قصيدته السينية الرائعة ، التي اشتهرت في التاريخ ، كما اشتهرت في الشعر ، يستصرخه فيها لنصرة الأندلس ، ونصرة الدين وهذا مطلعها :