تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان الشيعة — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
سيف الدولة كل يوم من بيت المال أربعة دراهم فضة ، اقتصر عليها لقناعته ، ويروي أنه كان في أول أمره قاضيا ، فلما شعر بالمعارف نبذ ذلك وأقبل بكليته على تعلمها ، ولم يسكن إلى نحو من أمور الدنيا البتة . ويذكر أنه كان يخرج إلى الحراس بالليل من منزله يستضئ بمصابيحهم فيما يقرؤونه . وكان في علم صناعة الموسيقي وعملها قد وصل إلى غاياتها وأتقنها إتقانا لا مزيد عليه . ويقال أنه صنع آلة غريبة يسمع منها ألحان بديعة يحرك بها الانفعالات ، والغالب أن هذه هي الآلة الموسيقية التي أخرجها من خريطة كانت معه في مجلس سيف الدولة وركب منها عيدانا ولعب بها ألعابا شتى من الموسيقي ، وهي قصة مشهورة معروفة . ويذكر فارمر أنه اخترع أو أوجد الرباب والقانون . مؤلفاته ألف الفارابي بالمنطق والفلسفة والرياضيات والطب والنبات والموسيقي ، فكان من علمائها المبرزين في حلبتها ، وتعتمد شهرته الفلسفية على شروحه وتعاليقه على مؤلفات أرسطو . بلغت مؤلفاته حوالي الثمانين ، غير أن معظمها فقد ، ولا يزال منها حتى الآن حوالي الأربعين : منها 31 باللغة العربية ، و 6 بالعبرية ، واثنان باللاتينية ويقرر جب أن تأليفه في الطب والموسيقي أصبحت مقاييس لمن بعده ، ويضيف أن آثاره في الفلسفة العربية هي التي خلدت اسمه ، كانت فلسفته ذات نزعة إفلاطونية ، وكان أهم ما يسعى إليه التوفيق بين فلسفة أرسطو وإفلاطون غالبا كما فهمها أصحاب الأفلاطونية الحديثة غير أنه ظل قوي الاعتقاد بحقيقة الاسلام ، وعمل جهده للتقريب بين الفلسفة اليونانية كوحدة تامة ، والمعتقدات الاسلامية وأكثر كتبه أهمية بالنظر للغربيين مؤلفه الذي نحا به نحو جمهورية أفلاطون ألا وهو المدينة الفاضلة ، حيث أراد أن يجمع بين الدين والدولة وأن يصف بها حكومة مثالية يحكمها رجال حكماء . إذ أن رئيس المدينة الفاضلة ليس يمكن أن يكون أي انسان اتفق لأن الرئاسة إنما تكون بشيئين : أحدهما أن يكون بالفطرة والطبع معدا لها ، والثاني بالهيئة والملكة الإرادية . وأهم مؤلفاته : المدينة الفاضلة ، التعليم الثاني ، إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها ، ويعتبر أول موسوعة بالشرق ، ومن الكتب التي حفظ أصلها العربي كتاب الموسيقي الكبير ألفه للوزير أبي جعفر محمد بن القاسم الكرخي . ويعتقد ماكس مايرهوف أن كتاب الموسيقي هذا هو أثر شرقي يبحث في نظرية الموسيقي وأنه البذرة الأولى لمنشأ علم الأنساب نسبة الاعداد أو علم اللوغاريتمات ثم له أيضا : السياسة المدنية والسيرة الفاضلة ، ويتضمن كتاب المجموع من مؤلفات أبي النصر الفارابي المطبوع بمصر سنة 1907 م وهو ثماني رسائل بعض المسائل والآراء الفلسفية منها : فصوص الحكم مع شرحه نصوص الكلم للأستاذ محمد بدر الدين النعساني . وللفارابي شرح كتاب البرهان لأرسطو على طريق التعليق ، أملاه على إبراهيم بن عدي ، تلميذ له بحلب . وذكر شمس الدين سامي أن للفارابي مؤلفا كبيرا في عشرين مجلدا أسماه كتاب في الخطابة . مناحي فلسفته تأثرت فلسفة الفارابي بالأفلاطونية الحديثة ، وأثرت بدورها على آراء ابن سينا وابن رشد ، حتى أن فوكارادي يعد الفارابي من كبار فلاسفة الأفلاطونية الحديثة لأن الفارابي كان على معرفة تامة بالفلسفة القديمة ولا سيما في تعليقاته وشروحه على مؤلفات أرسطو وإفلاطون ، وهو الذي عرف العرب على كبير فلاسفة اليونان والمعلم الأول : أرسطو . قسم الفارابي العقل إلى أربعة أقسام : العقل بالقوة ، والعقل بالفعل ، والعقل المستفاد ، والعقل الفعال . وقد ظهر تحمس الفارابي في شرحه لنظرية أزلية العالم وقدمه فالله سبحانه هو المحرك الذي لا يتحرك ، المالك للوجود والكمال المطلق ، يخرج العالم بواسطة العقل الفعال . وبالنسبة للانسان فان هذا العقل الفعال هو الصورة النهائية والجزء الوحيد الخالد . ونرى نزعته الفلسفية وآراءه المثالية وفكرته الدينية واضحة بينة في دعائه الذي يقول فيه : إني أسألك يا واجب الوجود ويا علة العلل ، يا قديما لم يزل ، أن تعصمني من الزلل وأن تجعل لي من الأمل ما ترضاه لي من عمل . . . اللهم أنقذني من عالم الشقاء والفناء واجعلني من إخوان الصفاء وأصحاب الوفاء وسكان السماء مع الصديقين والشهداء . أنت الله الذي لا إله إلا أنت ، علة الأشياء ونور الأرض والسماء ، امنحني فيضا من العقل الفعال ، يا ذا الجلال والافضال ، هذب نفسي بأنوار الحكمة وأوزعني شكر ما أوليتني من نعمة ، أرني الحق حقا وألهمني أتباعه ، والباطل باطلا واحرمني اعتقاده واستماعه ، هذب نفسي من طينة الهيولى ، إنك أنت العلة الأولى : يا علة الأشياء جمعا والذي * كانت به عن فيضه المتفجر رب السماوات الطباق ومركز * في وسطهن من الثرى والأبحر إني دعوتك مستجيرا مذنبا * فاغفر خطيئة مذنب ومقصر هذب بفيض منك رب الكل من * كدر الطبيعة والعناصر عنصري اللهم ألهمني الهدى وثبت إيماني بالتقوى وبغض إلى نفسي حب الدنيا ، اللهم قو ذاتي على قهر الشهوات الفانية ، وألحق نفسي بمنازل النفوس الباقية ، واجعلها من جملة الجواهر الشريفة الغالية ، في جنات عالية . . .
هامش
( 1 ) انظر بحث ه‍ وفارمر عن الموسيقى عند العرب ( تراث الاسلام ص 361 . ( 2 ) مشاهير الأتراك ص 131 . ( 3 ) جب الأدب العربي ص 3 - 6 . ( 4 ) بروكلمان - تاريخ الأدب العربي م 1 ص 210 - 213 وكارداى فو ( مفكرو الاسلام ) م 4 ص 7 - 18 . ( 5 ) آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي ص 83 . ( 6 ) تراث الاسلام ص 333 . ( 7 ) تراث الاسلام ص 391 . ( 8 ) قاموس الاعلام م 5 ص 3323 . ( 9 ) تراث الاسلام ص 391 . ( 10 ) دائرة المعارف البريطانية ط 14 م 9 ص 70 . ( 11 ) تراث الاسلام ص 255 - 256 . ( 12 ) دائرة المعارف البريطانية ط 14 م 9 ص 70 .