Skip to main content

معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — Page 251

Contributors:

P.251
وكانت جوزفين كل ذلك النهار في غرفتها تسكب الدموع بغزارة كأنها عرفت أن ذلك اليوم كان يومها المحزن ولكنها لما أتت ساعة العشاء غسلت عينيها ودخلت غرفة المائدة وبذلت غاية جهدها لكي تضبط نفسها عن البكاء ولذلك لم تتجاسر أن تفتح فمها بكلمة واحدة أما نابليون فكان تائها في بحر الأفكار ولم يكلمها بكلمة واحدة فكان حول تلك المائدة حينئذ سكوت تام ولم يذق أحدهما شيئا بل كانت أنواع الطعام تتبدل بغير أن تمس وكان اصفرار الموت على وجه كل منهما ، ولما انتهى تقديم العشاء صرف نابليون الخدم ثم نهض وأغلق الباب بيده على نفسه وجوزفين وحينئذ أتت تلك الدقيقة التي كان كل منهما هالعا منها ، فاقترب نابوليون إلى جوزفين وأخذ يدها وقال لها بصوت منقطع : ( يا جوزفين يا عزيزتي جوزفين أنت تعلمين كيف أحببتك وإني لك وحدك شاكر على الدقائق القليلة التي بك عرفت فيها السعادة على الأرض والآن أخبرك أن واجباتي أقوى من إرادتي ، وأن عواطفي القوية نحوك يجب أن تخضع لمصلحة فرنسا ) . فلما سمعت جوزفين ذلك خفق قلبها ونضب الدم في عروقها ووقعت على الأرض مغشيا عليها فلما رأى نابليون ذلك فتح حالا الباب ونادى من يساعده فأتى إليه حالا عدد من الخدم من الغرفة المجاورة وكان هناك أيضا الكونت بومون فأومأ إليه نابليون وهو مرتجف ووجهه ممتقع بأن يأخذها على يده إلى غرفتها وأخذ هو مصباحا بيده وذهب أمامه ولكن لما وصل إلى السلم سلم المصباح إلى أحد الخدم وساعد الكونت في حملها وكانت تقول في غشيها : آه لا يمكنك أن تفعل ذلك لأنك لا تحب قتلي ولما وصلا بها ووضعاها على فراشها صرف نابليون الكونت وقرع الجرس في طلب خادمتها الخصوصية وقضى الوقت بجانبها حتى أخذت تستفيق ، ولما ظهر له أنها ابتدأت ترجع إلى نفسها تركها ومضى إلا أنه لم ينم طول ذلك الليل بل كان يتمشى في غرفته ، ويأتي إلى باب غرفة جوزفين ويسأل الطبيب عن أحوالها أما الطبيب فلم يفارقها كل ذلك الليل . وفي مدة الأسبوعين الأوّلين بعد ذلك لم ير الواحد منهما إلا قليلا مما يتعلق بالآخر واتفق أنه في تلك المدة كان عيد التتويج ونصرة أوسترليتز الشهيرة فكانت المدينة في ذلك الوقت مشتعلة بالأنوار وصوت قرع الأجراس