وقال يرثي والدته وتوفيت عقيب قدومها من الحج سنة 446 من
قصيدة :
ومسندون تعاقروا كأس الردى * ودعا بشربهم الحمام فأسرعوا
خرس إذا ناديت الا انهم * وعظوا بما يزع اللبيب فاسمعوا
نبذوا الاباء فما أضاء بنفعهم * عضب يشام ولا سنان يلمع
البيض تلمع والدروع مفاضة * والخيل تمرح والقنا يتزعزع
عجبا لمن يبقي دخائر ماله * ويظل يحفظهن وهو مضيع
ولغافل ويرى بكل ثنية * ملقى له بطن الصفائح مضجع
لو كان يمنعك القراع ملأتها * جردا يغص بها الفضاء البلقع
لكنها الاقدار ليس امامها * ما يستجن به ولا ما يدفع
يا قبر فيك الصالحات دفينة * أفما تضيق بهن أو تتصدع
حياك فجري النسيم كأنه * ابدا بطيب ثنائها يتضوع
ان لم يكن عقر عليك فإنها * كبد مقرحة وقلب موجع
وقال يرثي أبا لعلاء صاعد بن سليمان الكاتب وقد توفي بأنطاكية
سنة 456 من قصيدة :
فأي حسام حالت الأرض دونه * وكان متى يضرب به الخطب يقطع
ومقتسم النعمى أناخت عفاته * على المحل في روض من الجود ممرع
وأثنى عليه الحاسدون ضرورة * بأحسن ما يعلو الصديق ويدعي
وأين جفون ما أفاضت دموعها * عليك وقلب فيك لم يتصدع
المراسلات
بينه وبين الأمير علي بن منقذ
وكتب إليه الأمير أبو الحسن علي بن منقذ بقصيدة هذا محتارها .
سواي تشوق الكلة السيراء * ويجلو هواه البين والعدواء
أيا راكبا مالت به نشوة الكرى * كما اهتز من مر الرياح لواء
تحمل إلى الحي المقيم ألوكة * عن السفر ما فيها عليك عناء
بأي لسان ينطق المدح فيكم * بليغ وما ذا ينظم الشعراء
وفي كل يوم سنة من حديثكم * تنم على ما أسلف القدماء
تولعكم امال قوم صوادق * فما تنثني الا وهن رواء
فما بالكم لا أوحش الله منكم * مواطن فيها للذمام وفاء
رفعتم منار الغدر بعد هبوطه * واخفق منكم مطلب ورجاء
أخصك عبد الله من بينهم فما * أقول وما عندي عليه غطاء
واني لأستحيي عتابك والذي * بدا منك يأبى ان يكون حياء
وأوليتني نكدا على غير سابق * أظن له ان القبيح جزاء
ألم تعلمن ان لست بابن لئيمة * ولا ذل عيني أعبد وإماء
تناءيت عنكم رغبة في دنوكم * الا رب داء عاد وهو دواء
بعاد بلا هجر وقرب بلا اذى * تهنا في الحالين كيف تشاء
فاجابه ابن سنان الخفاجي بقوله من قصيدة :
على أي حكم فيك أعجب للغدر * وما أنت الا واحد من بني الدهر
ولكن شجاني ان ودك ضاع من * يدي وقد أنفقت في كسبه عمري
شباب تقضي في هواك وشرد * مطوحة الأنباء جائلة الذكر
فما لك ترميني بعتب جهلته * فلم أر فيه وجه ذنبي ولا عذري
طويت على غل ضميرك بعد ما * توهمت ان السر عندك كالجهر
تغل علي العتب بين دلائل الصفاء * وتجلوا الحقد في رونق البشر
فما كنت الا السيف يسعر حده * ضرام الوغى والماء في متنه يجري
فأي خليل بالتجني حملته * على الخطة الشنعاء والمركب الوعر
فلو لم أر البقيا أطعت حفيظتي * عليك ولكن ليس قلبك في صدري
وكنت جديرا ان أبيت وبيننا * مهامه تسري الشهب فيها على ذعر
واني وإن كانت سماؤك أمطرت * سحائب عرف ناء في حمله ظهري
لا علم اني في انتسابي إليكم * على الكرم الوضاح والمنصب الحر
غصبت على جدواك نفسا أبية * فصار غنائي عنك أقبح من فقري
وعلمتني بذل النوال توكلا * عليك كما جاد السحاب من البحر
ولست بعيدا من رضاك وبينا * مواثيق يلغى في وسائلها وزرى
وما كنت الا راضيا بقناعة * أعيش بها بين الخصاصة واليسر
ولكن حظي من سحابك شيمة * تكثر حسادي وترفع من قدري
وكتب إليه الأمير أبو الحسن علي بن منقذ أيضا .
عدتني عواد عنك يا ابن محمد * تأوبني من لذعها نازح النكس
ولم الق في يومي سرورا يجيرني * من الهم الا بث ما كان في أمسي
فان عاق دهر عنك مثر من الذي * تباع له الأوطان بالثمن البخس
فلم اقتن الابدال منك وانما * فزعت إلى الملح الأجاج من اللمس
فاجابه بقوله :
أبا حسن لو قلت في ذكر وحشتي * لبعدك شعرا كان يعرب عن انسي
أبى ذاك اني قد رحلت بخاطر * كليل وقلب بالجوى عازب الحس
فلم يجتمع لي أحرف في صحيفة * كان الدجى نفسي وشمس الضحى طرس
فهل أنت ممن يدعي ما ادعيته * وقد صرت بعد البين أفصح من قس
وجاء كلام منك دل صقاله * وصدق معانيه على جذل النفس
الشيب
أناخ علي الهم من كل جانب * بياض عذاري في سواد المطالب
وكنت أظن الأربعين تصده * فما قبلت فيه شهادة حاسب
طلبت الصبا من بعدها فكأنما * علقت باعجاز النجوم الغوارب
وما ساءني فقد الشباب وانما * بكيت على شطر من العمر ذاهب
وما ساءني شيب الذوائب بعده * وعندي هموم قبل خلق الذوائب
ولكنه وافى وما اطلق الصبا * عناني ولا قضي الشباب ماربي
فما كنت من أصحابه غير أنه * وفى لي لما خانني كل صاحب
وله من قصيدة :
ان راعني وضح المشيب فإنه * برق تألق بالخطوب فأومضا
ولقد أضاء واظلمت أيامه * حتى عرفت بها السواد الأبيضا
وله من قصيدة :
أسفت لرائعة المشيب كأنني * أدركت أوطار الصبا من قبلها
لا تظلميه فما وجهت همومه * الا بأيام الشبيبة كلها
أعيان الشيعة — صفحة 73
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٧٣