كما ابتعت العلاء بغير سوم * وأحللت التكال بغير قوم
ردي كأس الغناء بغير لوم * فإنك لو سئلت بقاء يوم
على الاجل لك لم تطاعي
فكم أرغمت أنف الضد قسرا * وأفنيت العدى قتلا وأسرا
وأنت محيطة بالدهر خبرا * فصبرا في مجال الموت صبرا
فما نيل الخلود بمستطاع
عندما صفا العيش لصفي الدين في كنف الملك المنصور غازي
وابنه الملك الصالح ، حمل شيطان الغزل إلى شاعرنا هبات كثيرة بعضها
يعد من الاعلاق ، ومن تلك الهبات نونيته التي مطلعها :
قالت : كحلت الجفون بالوسن * قلت : انتظارا لطيفك الحسن
وفي هذه القصيدة الرقيقة من الحوار المستحب بين الحبيبين ما يحببها
إلى النفس ويرسلها إلى شغاف القلب ، وهي من بعد مثقلة ببث العاشق
اللجوج واندفاعه في دنيا الصبابة ، وبتحفظات المعشوقة المسرفة في الدلال
الحلو والمر :
قالت : تسليت بعد ما فرقتنا * فقلت : عن مسكني وعن سكني
قالت : تشاغلت عن محبتنا * قلت : بفرط البكاء والحزن
قالت : تناسيت ، قلت : عافيتي * قلت تناءيت ، قلت : عن وطني
قالت : تخليت ، قلت : عن جلدي * قالت تغيرت ، قلت : في بدني
فقالت : تخصصت دون صحبتنا * فقلت : بالعين فيك والغبن
قالت : أذعت الاسرار قلت لها : * صير سري هواك كالعلن
قالت : سررت الأعداء قلت لها * ذلك شئ لو شئت لم يكن
قالت : فما ذات تروم ؟ قلت لها : * ساعة سعد بالوصل تسعدني
قالت : فعين الرقيب تنظرنا * قلت : فاني للعين لم ابن
أنحلتني بالصدود منك فلو * ترصدتني المنون لم ترني !
فأنت ترى ان في غزل الحلي عذوبة وطرافة ، وهذا لا يعني ان غزله
بعيد ، أغلبه ، عن التشابيه التقليدية المألوفة الملقاة على طريق السابلة من
خمر الريق إلى قوام الغصن وبدر التم إلى غير ذلك ولكنه والحق
يقال كان يحسن ، أحيانا ، التصرف بهذه الاستعارات المألوفة المقننة ، من
ذلك وصفه لجمال حبيبه :
يقولون لي ، والبدر في الأفق مشرق * بذا أنت صب ؟ قلت : بل بشقيقه
وإذا كان هذا البيت من ومضاته ، فلشاعرنا في بعض قصائده الغزلية
وثبات كقوله :
لولا الهوى ما ذاب من حنينه * صب أصابته عيون عينه
متيم لا تهتدي عواده * الا بما تسمع من أنينه
والاهتداء بالأنين صورة رائعة لا تخلو من الابتكار ، وما أروع
استجارته بجيرة الحي ، حي الأحباب .
يا جيرة الحي أجيروا عاشقا * ما حاد عن شرع الهوى ودينه
باطنه أحسن من ظاهره * وشكه أوضح من يقينه
وبعد تسنم شاعرنا هذه الذروة الشاهقة ، ينحدر في البيتين اللذين
نالا من هذه المقطوعة الرائعة حيث يقول :
لا تحسبوا ما ساح فوق خده * مدامعا تسفح من جفونه
فيترك لنا بذلك مجالا فسيحا للتأمل وتوقع الإجادة في وصف دموعه ،
وإذا به يقول :
وانما ذاب جليد قلبه * فطرفه يرشح من معينه
وما أبشع تشببه قلب العاشق بالجليد . . . ولعله تشبث بالجليد لأنه
يذوب ، وهو بحاجة إلى مادة تذوب ليشبه بها الدموع ، وفاتته المواد التي
تنصهر . . .
ولا شك ان غزل الحلي رائع ، إذا جارى الرجل سجيته ولم يبتعد
عنها . إما إذا وسوس له شيطان المحاكاة ، طلعت سجيته وطفق يقلد
وينحدر . يقول عنترة العبسي :
ولقد ذكرتك والرماح نواهل * مني وبيض الهند تقطر بالدم
فيصهر صفي الدين هذا المعنى في أكثر من بوتقة ولكنه لا يضاهي
العبسي :
ولقد ذكرتك والسيوف مواطر * كالسحب من وبل النجيع وطله
فوجدت انسا عند ذكرك كاملا * في موقف يخشى الفتى من ظله
ويقول الحلي أيضا بهذا المعنى :
ولقد ذكرتك والعجاج كأنه * ظل الغني وسوء عيش المعسر
والشوس بين مجدل في جندل * منا وبين معفر في معفر
فظننت اني في صباح مشرق * بضياء وجهك أو مساء مقمر
ولصفي الدين في حلبة المجون والأدب المكشوف جدا أبيات
ومقطعات أستحي ان أذكر بعضها .
وعلى اي حال فان الرجل عندما ناهزت سنه الخمسين عزف عن
الملذات وحج بيت الله الحرام ومدح الرسول الأعظم ص بثلاث قصائد
وأربع أبيات سكب فيها من ذوب قلبه وعصير روحه الشئ الكثير ، وهو
يرجو فيها الشفاعة ويلتمس الغفران واطفاء نيران الذنوب . وحسبنا ان
نلقي نظرة على إحداها ولتكن الهائية . ولا يهمنا فخر صفي الدين بنفسه في
هذه القصيدة فقد قرأنا من فخره بنفسه فيما سبق الشئ الكثير ، والذي
يهمنا هنا ان نلتمس طريقته في مدح الرسول الأعظم ولنبدأ من مشهد الناقة
التي كانت تحمل الشاعر إلى بيت الله الحرام وقبر الرسول ص :
ترض الحصى شوقا لمن سبح الحصى * لديه وحيا بالسلام بشيرها
إلى خير مبعوث إلى خير أمة * إلى خير معبود دعاها بشيرها
ثم يصف الشاعر المؤمن دعوة محمد ص إلى الايمان وكيف اخمد نار
المجوس بالتوحيد وكيف زلزل عرش كسرى :
ومن أخمدت مع وضعه نار فارس * وزلزل منها عرشها وسريرها
أعيان الشيعة — صفحة 26
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٢٦