لقد عمهوا ما انزل الله فيكم * كان كتاب الله فنهم محجحج ( 1 )
الا خاب من أنساه منكم نصيبه * متاع من الدنيا قليل وزبرج
أبعد المكنى بالحسين شهيدكم * تضئ مصابيح السماء فتسرج
لنا وعلينا لا عليه ولا له * تسحسح أسراب الدموع وتنشج
وكيف نبكي فائزا عند ربه * له في جنان الخلد عيش مخرفج ( 2 )
فان لا يكن حيا لدينا فإنه * لدى الله حي في الجنان مزوج
وكنا نرجيه لكشف عماية * بأمثاله أمثالها تتبلج
فساهمنا ذو العرش في ابن نبيه * ففاز به ، والله أعلى وأفلج
أيحيى العلى لهفي لذكراك لهفة * يباشر مكواها الفؤاد فينضج
لمن تستجد الأرض بعدك زينة * فتصبح في أثوابها تتبرج
سلام وريحان وروح ورحمة * عليك وممدود من الظل سجج
ولا برح القاع الذي أنت جاره * يرف عليه الأقحوان المفلج
ويا أسفي ان لا ترد تحية * سوى ارج من طيب رمسك يأرج
الا انما ناح الحمائم بعد ما * ثويت وكانت قبل ذلك تهزج
الا أيها المستبشرون بيومه * أظلت عليكم غمة لا تفرج
أكلكم امسى اطمأن مهاده * بان رسول الله في القبر مزعج
فلا تشتموا وليخسأ المرء منكم * بوجه كان اللون منه اليرندج ( 3 )
فلو شهد الهيجا بقلب أبيكم * غداة التقى الجمعان والخيل تمعج
لأعطى يد العاني أو ارتد هاربا * كما ارتد بالقاع الظليم المهيج ( 4 )
ولكنه ما زال يغشى بنحره * شبا الحرب حتى قال ذو الجهل : أهوج
وحاش له من تلكم ، غير أنه * أبى خطة الأمر الذي هو اسحج
وأين به عن ذاك ؟ لا أين ، انه * إليه بعرقيه الزكيين محرج
كأني به كالليث يحمي عرينه * وأشباله لا يزدهيه المهجهج
كدأب علي في المواطن قبله * أبي حسن ، والغصن من حيث يخرج
كأني أراه والرماح تنوشه * شوارع كالأشطان تدلى وتخلج
كأني أراه إذ هوى عن جواده * وعفر بالترب الجبين المشجج
فحب به جسما إلى الأرض إذ هوى * وحب بها روحا إلى الله تعرج
أأرديتهم يحيى ولم يطو أيطل * طرادا ولم يدبر من الخيل منسج
تأتت لكم فيه منى السوء هينة * وذاك لكم بالغي أغرى وألهج
تمدون في طغيانكم وضلالكم * ويستدرج المغرور منكم فيدرج
اجنوا بني العباس من شنآنكم * وأوكوا على ما في العياب وأشرجوا
وخلوا ولاة السوء منكم وغيهم * فأحربهم ان يغرقوا حيث لججوا
نظار لكم ان يرجع الحق راجع * إلى أهله يوما ، فتشجوا كما شجوا
على حين لا عذرى لمتذريكم * ولا لكم من حجة الله مخرج
فلا تلقحوا الآن الضغائن بينكم * وبينهم ان اللواقح تنتج
غررتم لئن صدقتم ان حالة * تدوم لكم والدهر لونان اخرج
لعل لهم في منطوى الغيب ثائرا * سيسمو لكم ، والصبح في الليل مولج
أفي الحق ان يمسوا خماصا وأنتم * يكاد أخوكم بطنة يتبعج
وتمشون مختالين في حجراتكم * ثقال الخطى أكفالكم تترجرج
وليدهم بادي الضوى ووليدكم * من الريف ريان العظام خدلج
بنفسي الالى كظتهم حسراتكم * فقد علزوا قبل الممات وحشرجوا ( 5 )
وعيرتموهم بالسواد ، ولم يزل * من العرب الا محاض أخضر أدعج
ولكنكم زرق يزين وجوهكم * بني الروم ! ألوان من الروم نعج
أبى الله الا ان يطيبوا وتخبثوا * وان يسبقوا بالصالحات ويفلجوا
وان كنتم منهم وكان أبوكم * أباهم فان الصفو بالرفق يمزج
وقال في أهل أبيت :
ان يوال الدهر أعداء لكم * فلهم فيه كمين قد كمن
خلعوا فيه عذار المعتدي * وغدوا بين اعتراض وارن ( 6 )
فاصبروا يهلكهم الله لكم * مثل ما أهلك اذواء اليمن
قرب النصر فلا تستبطئوا * قرب النصر يقينا غير ظن
ومن التقصير صوني مهجتي * فعل من أضحى إلى الدنيا ركن
لا دمي يسفك في نصرتكم * لا ولا عرضي فيكم يمتهن
غير اني باذل نفسي وان * حقن الله دمي فيما حقن
ليت اني غرض من دونكم * ذاك أو درع يقيكم ومجن
أتلقى بجبيني من رمى * وبنحري وبصدري من طعن
ان مبتاع الرضي من ربه * فيكم بالنفس لا يخشى الغبن
وله في رثاء شبابه :
أبين ضلوعي جمرة تتوقد * على ما مضى أم حسرة تتجدد
خليلي ما بعد الشباب رزية * يجم لها ماء الشؤون ويعتد
فلا تلحيا للجلد يبكي فربما * تفطر عن عين من الماء جلمد
شباب الفتى مجلودة وعزاؤه * فكيف وانى بعده يتجلد
وفقد الشباب الموت يوجد طعمه * صراحا ، وطعم الموت بالموت يفقد
رزئت شبابي عودة بعد بدأة * وهن الرزايا بادئات وعود
سلبت سواد العارضين وقلبه * بياضهما المحمود إذ انا أمرد
وبدلت من ذاك البياض وحسنه * بياضا ذميما لا يزال يسود
لشتان ما بين البياضين معجب * أنيق ومشنوء إلى العين أنكد
وكنت جلاء للعيون من القذى * فقد جعلت تقذى بشيبي وترمد
هي الأعين النجل الذي كنت تشتكي * مواقعها في القلب والرأس اسود
فما لك تأسى الآن لما رأيتها * وقد جعلت مرمى سواك تعمد
تشكى إذا ما أقصدتك سهامها * وتأسى إذا نكبن عنك وتكمد
كذلك تلك النبل من وقعت به * ومن صرفت عنه من القوم مقصد
إذ عدلت عنا وجدنا عدولها * كموقعها في القلب بل هو اجحد
تنكب عنا مرة فكأنما * منكبها عنا إلينا مسدد
كفى حزنا ان الشباب معجل * قصير الليالي والمشيب مخلد
إذا حل جارى المرء شاو حياته * إلى أن يضم المرء والشيب ملحد
أرى الدهر اجرى ليله ونهاره * بعدل فلا هذا ولا ذاك سرمد
وجار على ليل الشباب فضامه * نهار مشيب سرمد ليس ينفد
وعزاك عن ليل الشباب معاشر * فقالوا نهار الشيب اهدى وارشد
وكان نهار المرء اهدى لسعيه * ولكن ظل الليل اندى وابرد
أأيام لهوي هل مواضيك عود * ولهل لشباب ضل بالأمس منشد
أقول وقد شابت شواتي وقوست * قناتي وأضحت كدنتي تتحدد
ولذت أحاديثي الرجال وأعرضت * سليمى وريا عن حديثي ومهرد
وبدل اعجاب الغواني تعجبا * فهن روان يعتبرن وصدد
هامش
( 1 ) جلد أو طلاء اسود .
( 2 ) مجج الكتاب لم يبين حروفه .
( 3 ) ناعم واسع .
( 4 ) زلج تقدم .
( 5 ) فلو نزل يحيى لمعترك وقلبه متخوف كقلب أبيكم لسلم نفسه للاسر أو ولى هاربا كما يهرب النعام .
( 5 ) علز اخذه القلق والهلع .
( 7 ) الارن النشاط واظهار القوة .