فقف نستسمح الغيث الهتون لها * ان لم يجد فدموع العين تسقيها
عندي من الدمع ما يسقي سقيم ثرى * منها وينقع صاديها ويرويها
عيضت بنافرها من بعد آنسها * واستخلفت عاطلا من بعد حاليها
لله شمس بها كنا نطالعها * ما الشمس يوما إذا لاحت تحاكيها
فلست أدري أسقمي من موشحها * أم من سقام اعارتنا أماقيها
يا طالبا ثائرا في مهجة تلفت * اطلب عيونا فرتنا في مواضيها
ما هذه ناقة سارت بغانية * بل ذي حياة معنى هائم فيها
وله من قصيدة يباري بها قصيدة البهائي وهي : سرى البرق من
نجد فجدد تذكاري
هي الدار ما بين العذيب وذي قار * عفت غير سحم ماثلات وأحجار
رسوم عفاها كل ساق وهاطل * فهن كجسمي أو غوامض اسراري
أقمنا حيارى سائلين فلم نجد * مجيبا سوى دمع على نؤيها جاري
ولا عجبا لو أصبح الدمع حائرا * كقلبك في تلك المعاهد يا جاري
معاهد لا أدري أمن طيب تربها * نسيم الصبا حيث أم العنبر الداري
وقفنا بها حتى لطول وقوفنا * تخليت انا قد خلقنا من الدار
أذلنا مصونات الدموع بربعها * ولما نجد في سكبنا الدمع من زاري
خلت بعد ما كانت مناخا لراكب * وملعب اتراب ومجمع سمار
ومرتع غزلان ترى الصيد صيدها * فقل في غزال يصرع الأسد الضاري
رماني بسهم من كنانة حسنه * فما أخطأ الظبي الكناني لا القاري
وعصر تصاب قد فجعت بفقده * وماضي شباب رحت من حليه عاري
لئن قصرت أيامه فلشد ما * تولت وأبقت طول بث وتذكار
الا في أمان الله عصر لفقده * من العيش واللذات قلمت أظفاري
وله :
أحبتنا أنتم لنا الروح هل على * مفارق روح من ملام إذا حنا
الا ان بين الروح والجسم ألفة * إذا فارقت تبقى كلفظ بلا معنى
بعثتم إليه السقم لما هجرتم * وكان له طبا مقاربة المعنى
فبدلتم قرب الديار ببعدها * الا في سبيل الحب روح نأت عنا
حمامات وادي الأيك بالله جاوبي * محبا على تبعاد أحبابه مضنى
فنوحي على الأغصان اني نادب * رشيقة قد تخجل اللدن والغصنا
فلست أرى نوحي ونوحك واحدا * إذا كان ذا سجعا فقد كان ذا حزنا
عسى الله يدنينا فيشبه بعضنا * لبعض بقرب إذ تحالفني لبنى
وله من قصيدة :
تذكرت حيا بالقرينة والغمر * ودهرا تقضى بالمسرة والبشر
روى عن محاني شعبهم ناسم سرى * حديثا عرفناه صحيحا من العطر
فاشفى جروحا بالفؤاد نكية * على أنه أذكى به لأهب الجمر
وكان دواء للفؤاد وداءه * ويا رب خير قد يؤل إلى الشر
وعهدي بنشر المسك للجرح مؤلما * فيا من رأى جرحا يعالج بالنشر
هو الشوق مهما رمت كتمان سره * سرى البرق نجديا فجاش به صدري
فلم أر مثل البرق للدمع جالبا * ولم أر مثل الدمع أفضح للسر
ولم أر اشجى للفؤاد من النوى * إذا لم يكن من بعد صد ولا هجر
نوى حجبت عنا وجوها نحبها * فما نلتقي الا بضرب من الذكر
ولو أطلقوا نومي لكنت رأيتهم * بطيف يسري الهم عني متى يسر
تذكرت احبابا بسابقة النقي * وعيشا نهبناه على غفلة الدهر
وليلات وصل بالحسان منيرة * من النبت بسطا قد تسهمن بالبدر
ولا حدثتنا الحادثات بنكبة * تمر الليالي والشهور ولا ندري
فيا حبذا ذاك الزمان وحبذا * شبابا به أدنو إلى ربة الخدر
فقد كان لي نعم الشفيع إلى ألمها * ونعم مطاع القول ممتثل الامر
على انني أغشي خبأها صبابة * وارجع عنها طاهر العرض والازر
ولو كان لولا خشية الله بيننا * عناق وضم يلصق النحر بالنحر
وما كان يقصينا ويفصل بيننا * حذار مقال الناس الا سنا الفجر
على مثل ذاك العيش تجرى مدامعي * وحق لها لو كان ينفع ان تجري
وفرسان حرب من ذؤابة هاشم * أبى أصلهم من أن يناموا على وتر
ينالون ما راموا وان عز نيله * بسمر العوالي والمهندة البتر
وما منهم الا همام مسود * يلوح عليه ميسم الفضل والفخر
متى تأتي ناديهم تجده كهالة * حوت أوجها يزري سناهن بالبدر
ترى الجود والمعروف فيهم سجية * فحيهم يجدي وميتهم يقري
تنادي القرى نيرانهم طالب القرى * بالسنة يهدى بها تائه القفر
إذا أمهم في المحل مستنجع الندى * فعندهم منع العطاء من الكفر
عسى الله يقضي بالإياب إليهم * ولا يقتضى في تباعدهم عمري
وله أيضا في وداع الأحباب وشكاية الزمان :
عسى من رماني بالنوى يعكس النوى * فيعلو مكان بينكم بمكين
لئن خانني الصبر الجميل لبعدكم * فقد ساعدت عند الفراق شؤوني
ولما توادعنا ونصت ركابنا * وقد غابت الاظعان جن جنوني
تكلفت صوت الدمع ان تشمت العدا * وهيهات سر الدمع غير مصون
تزيد على نار الغضا نار زفرتي * ويخجل سحب المزن وكف جفوني
لقد عذلوني ان حننت صبابة * ولو وجدوا وجدي لما عذلوني
سلوا أينقي عن وجدها وغرامها * والا فعن فرط الحنين سلوني
فما هيج الأشجان الا حنينها * وما هاجها الا رجيع حنيني
ومن كرمي اني أحس صبابة * إلى كل ألف نازح وخدين
على أن لي قلبا شديدا على العدا * ولكنه يلقى الصديق بلين
ويقتحم الأهوال في طلب العلى * ولم يرض من نيل العلاء بدون
وكيف أخاف الليل أو أرهب السرى * وآساد خفان تزمجر دوني
واني فتى الحي الكرام رجاله * واطلبهم للمجد لو عرفوني
أشد على من حاربوه جراءة * وأورعهم لو يعلمون بديني
وقائلة ما ذا تريد من النوى * واخطاره جم فقلت ذريني
وجدك ان العز في الهول مودع * وبالله قد جودت حسن يقيني
فشمرت لا أصبو إلى عذل عاذل * ولم يلو لي جيد لنصح قرين
وله :
إلى أين مرمى العيس تذمل أو تخدي * إما هذه الأطلال والسفح من نجد
بحيث العرار الغض ما زال مورقا * ذوائبه تهفو على قامة الرند
وهذا نسيم الشيخ جاء مخبرا * يحدثنا عن جيرة العلم الفرد
إذا هب من تلقاء نجد تظنه * لطائم تسدي طيب العنبر الورد
يحوز الذي خاط النعاس جفونه * ويطرق مكحول النواظر بالسهد
فينكره من أنكر العشق قلبه * ويعرفه طاوي الضلوع على الوجد
ولم يبق لي من وصلهم غير نفحة * تلم بريا المسك والمندل الهندي
أعيان الشيعة — صفحة 238
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٢٣٨