هي صفة من صفاته ، وأخرى من حاجاته ، ولما كانت معرفته باللسان بمواقع المعاني مجملة ومفصلة ، وبالأحكام كلية وجزئية على حال إحاطة ، تقدمت وثيقته الوثائق ، وأماطت الشبه والعلائق ، وسمعت عن الفقيه أبي المطرف ابن عميرة أنه قال : ومن طرائف أخباره وملح آثاره ، مما رأيت وشهدت ، ما تصغي له الآذان ، ويسعد به الفؤاد والجنان ، ولقد أجيبت فيه دعوة أبيه ، سمعت أنه لما حج دعا له حيث يجاب ، فقال : يا عبد الحق رزقك اللّه لفظا وخطا ، فكان كذلك ، وقد نظم في مدة قراءته على الشيخ أبي الحسن الحرالي القصيدة التصوفية ، وكانت من نحو خمس مائة بيت ، فلخصها له الشيخ رحمه اللّه في هذه الأبيات ، انتقاها منها وترك ما عداها وهي :
سفرت على وجه الجميل فأسفرا * وبدا هلال الحسن منها مقمرا
ودنت مكاشفة القلوب بأسرها * وسقت شراب الأنس منها كوثرا
ورأيتها في كلّ شيء أبصرت * عيناي حتى عددت كلّي مبصرا
وسمعت نطق الناطقين فكلّهم * بالحمد والتسبيح عنها أخبرا
وبها ركبت زواخرا من حبّها * ولبست سرّ السّرّ ثوبا أحمرا
[ 135 ] وبها فنيت عن الفناء وغصت في * ماء الحياء مسرمدا ومدهّرا
في الماء يظهر كلّ شيء كائن * وبه يرى مثل الوجود مصوّرا
وأنا أرى في كلّ ماء ماءه * وأرى وراء الماء ماء آخرا
فإذا وصلت به إليه فراجعن * تلك المنازل نقلة متفكّرا
فمتى أردت إبانة عن بعض ما * في القلب من سرّ مصون عبّرا
فارفع به ظلم الحجاب فرفعها * ينجيك من غرس المنى ما أثمرا
فتراه حين تراك ذاتا رافعا * للبس حتّى لا ترى إلا العرا
فهناك يفتح بابه ولطالما * قد كان قبل مبهما متعذّرا
افصاح نحوي لا تفي بمواجدي * وبيانه لا يستقلّ بما جرا