الموقف الخامس والستون وثلاثمائة
قال تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] وقال :
ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ
[ الطلاق : 5 ] اعلم أن الروح أمره غريب وشأنه عجيب ، لا تكشف عن محياه عبارة ، ولا ينفتح بابه بإشارة ، العلم بكنهه محال ، إلا للكبير المتعال .
وإن قميصا خيط من نسج تسعة * وعشرين حرفا عن معاليه قاصر
ولهذا لما تعدت العقول أطوارها ، ووجهت إلى العلم بحقيقته أفكارها ، انقلبت خاسئة حاسره ، بائرة خاسره ، ولعجز العقول عن الوصول إلى العلم بالروح لم يرد في الكتب الإلهية ، والإخبارات النبوية وصف الروح إلا بضرب أمثال وإشارات ، وتلويحات واستعارات ، رحمة بالعباد ورفقا بالعقول ، فإن من أطلعه اللّه تعالى على شيء من صفات الروح من غير المتشرعين ظن أنه الإله المعبود ، وإنما يدرك بعض صفات الروح بالوهب الإلهي لا بالنظر العقلي ، فإن للعقول حدا تقف عنده فإذا تعدّته ضلت ، ولكن لها القبول لما يهبها الوهاب تعالى ، وليس في قوله :
الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
إشارة إلى الكف عن السؤال والجواب عن الروح كما قيل ، بل هو جواب إجمالي ، أي : الروح أمر ربي فمن بيانية كما قال تعالى :
ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ
[ الطلاق : 5 ] إخبارا لجميع المخلوقات ، ولما كان الروح لا تنقضي إشكالاته ، ولا تنتهي بالنسبة إلى إدراك العقول محالاته ، جنح إلى الإجمال بقوله :
مِنْ أَمْرِ رَبِّي
أي هو أمر ربي الصادر عنه بالأمر بلا واسطة مادة . فأقول لك مقالا وأضرب لك أمثالا ، تخييلا وتقريبا ، وإلا فأين الثريا من يد المتناول ؟ ! فاعلم أن اللّه تعالى لما توجه لخلق العالم ، خلق روحا كليا سماه حضرة الجمع والوجود ، لكونه جامعا لحقائق الوجود . وسماه بالحقيقة المحمدية ، لكون محمد صلّى اللّه عليه وسلم أكمل مظاهرها ، على أنه ما في الجنس الإنساني أحد إلا وهو مظهر هذه الحقيقة ، كل إنسان يكون فيه ظهورها وبطونها على كماله ونقصانه ، ولا بد من ظهورها في كل إنسان كامل .