بالتركي : إني أعلم ما رأيت فلا حاجة إلى البيان ، فمال قلبي إليه وحصل لي تأثير عظيم من كلامه ، ونلت بصحبته أحوالا عالية ، حتى أن أهل ما وراء النهر قد ولوه بعد مدة عليهم سلطانا ، فما تركت ملازمته ، بل كنت أشاهد منه في أيام سلطنته أحوالا عظيمة ، فيزداد قلبي حبا به ، ويزداد هو تربية لي ، وترقية لأحوالي ، ورأفة بي ؛ ولطالما علمني من آداب الخدمة ما نفعني كل النفع في معرفة آداب السير والسلوك .
وأقمت في صحبته ست سنين مدة سلطنته ، فكنت في الجلوة مراعيا لآداب خدمته ، وفي الخلوة محرم خاصة صحبته .
وكثيرا ما كان يقول لي حضرة خواص أصحابه : كل من يخدمني ابتغاء مرضاة اللّه تعالى يصير عند الناس عظيما .
وكنت أعلم ما ذا أراد بهذا الكلام ومن أراد ، فإنه يشير إليّ بأن تعظيم الملوك وإجلالهم لا ينبغي أن يكون لعظمتهم وسطوتهم الظاهرة ، بل لأنهم مظهر لجلال مالك الملك سبحانه وتعالى .
ثم بعد حين آل ملكه إلى الزوال ، وتحوّلت بانتقاله الأحوال ، وأصبح في لحظة ذلك العز والخدم والحشم هباء منثورا ، فزادني ذلك في الدنيا زهدا وعن أعمالها فتورا ، ورجعت إلى بخارى ، وأقمت في زيورتون .
وقال - قدس اللّه سره - : لقيت أوائل الطلب والجذبة رجلا من أحباب اللّه ، فقال لي : الظاهر أنك من الأصحاب ، فقلت : أرجو من بركة نظر الأحباب أن أكون من الأصحاب .
فقال لي : كيف تعامل الوقت ؟ فقلت له : إن وجدت شكرت ، وإلا صبرت .
فتبسم وقال : هذا سهل ، وإنما الأهم أن تكلف نفسك انها إذا فقدت الطعام والشراب أسبوعا لا تعصك .
فتواضعت له ، وأقبلت عليه ، وطلبت منه الإمداد . فأمرني بالاشتغال بجبر
الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية — صفحة 400
مساهمون: الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي
ص٤٠٠