في ذلك المنزل والمقام ومدرّسا هنالك في مراتب من العلوم ، غيورا في أمور الدّين ، صبورا على أعباء الخلائق المتردّدين ، مراعيا لطرائف ما يكون من الآداب والسّنن ، ومعاملا مع أصناف البريّة بكلّ خلق حسن ، حافظا لحدود شرايع الإسلام باتمّ نظم يكون ، ورافضا في مجالس ذكر مصائب المعصومين للصبر والسّكون ، بحيث قد حكى لي بعض أعاظم تلك البلدة : انّه رحمه اللّه كان إذا دخل عشر الحزن ، يسدّ على وجه نفسه أبواب التّمتعات ، والملاذ الدّنياوية ويلبس السّواد ويبكى في تلك المصائب المعظمة ليلا ونهارا ، ونقل أيضا أنّه كان في يوم عاشورا على المنبر يعظ النّاس ، ويذكر لهم المصائب إذ بلغ موضعا من بيان تلك الفجائع الكابرة ، فبكى وأبكى إلى أن ارتفع عنه وعن المستمعين إلى حضرته الصّبر والطّاقة ، بحيث قد غشى عليه ووقع من عظم ما دخل فيه على الأرض ، وبوقوعه وقعت الواقعة الكبرى بين الخلائق ، وكان أيضا يقوم باطعام المؤمنين في أيّام التّعزية » ويخدم أهل العزاء بنفسه الشّريف ، ويشمّر عن ساعد جدّه في هذا الباب ويتعاهد بنفسه أمور المجالس والآداب ، بل كان يرفع عمامته ويحلّ عقود ثيابه أيضا في تلك المواقع كما بالبال .
وكانت قراءته برهة من الزّمان على الفقيه الكامل ، والنبيه الفاصل ، المولى إسماعيل العقدائى اليزدي ، وزمانا على الشّيخ الفريد الفقيه الأوحدي ، الشّيخ جعفر ابن خضر النّجفى رحمه اللّه أيّام نزوله في يزد المحروسة كما أفيد ، إلّا انّه رحمه اللّه كان قليل التّصنيف ، بحيث ذكر بعض تلاميذه الفضلاء انّه لم يتحقّق منه ورقة أصلا إلّا صوميّة كتبها باهتمام بعض أمراء البلد .
وقيل له بم بلغت ما بلغت مع انّه لا يعرف لك أستاد ماهر أو شيخ كابر وتنام اللّيل وتغلب بالنهار في المناظرة على من يجيبه ؟ فقال : أنّما حصل لي بالتّدريس ما حصل ، لا بالتّدريس والتّلمذ عند الاساتيد :
قلت : ونظيره في علمائنا الأكابر سيما المتأخرين منهم كثير لا ينبئك مثل خبير وقد توفى رحمه اللّه في أوائل العشر السّادس من هذه المائة الثالثة بعد الألف وثلم في
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 22
مساهمون: السيد محمد باقر الخوانساري
ص٢٢