على الطريق المذكور أيضا فوائد واسرار وخيرات لا تحصى وأقلها انه بعد
ذلك بلغنا ممن سافر على تلك الطريق التي نهينا عنها ان عليق الدواب
وغذاء الناس كان في غاية القلة والصعوبة والغلاء العظيم حتى أنهم كانوا
يشترون العليقة الواحدة بعشرة عثامنة دراهم عثمانية واحتاجوا مع
ذلك إلى حمل الزاد أربعة أيام لعدم وجوده في الطريق لا للدواب ولا
للانسان فلو كنا نسافر في تلك الطريق لاتجه إلينا ضرر عظيم لا يوصف بل
لا يفي جميع ما كان بيدنا من المال بالصرف في الطريق خاصة لكثرة ما معنا
من الدواب والاتباع وكانت العليقة في طريقنا أكثر الأوقات بعثماني واحد
بدرهم واحد عثماني وأقل إلى أن وصلنا ولم نفتقر إلى حمل شئ البتة بل
جميع طريقنا نمر على البلاد العامرة والخيرات الوافرة فالحمد لله على نعمه
الغامرة وكان وصولنا إلى مدينة طوقات صبيحة يوم الجمعة 12 شهر صفر
سنة 952 ونزلنا بعمارة السلطان بايزيد وهي مدينة كثيرة الخيرات عامرة
آهلة يجلب إليها ومنها أكثر الأمتعة والأرزاق كثيرة المياه والجبال محيطة بها
من كل جانب ويليها إلى الشمال واد طويل متسع فيه نهر كبير جدا يشتمل
هذا الوادي على ما قيل على نحو أربعمائة قرية شاهدنا كثيرا منها ومررنا فيه
يومين بعد خروجنا من طوقات وهذه القرى المذكورة كلها عامرة جدا كثيرة
الخير والفواكه متصلة بعضها ببعض لا يفصل بينها شئ وربما يعد الإنسان
منها في نظر واحد ما يزيد عن عشر قرى إلى عشرين قرية وكان خروجنا من
طوقات يوم الأحد عند الظهر ووصلنا يوم الأربعاء إلى مدينة اماسية وبها
أيضا عمارة السلطان بايزيد عظيمة البناء محكمة غاية الاحكام في بقعة
متسعة جدا حسنة تشتمل على مطابخ عظيمة وصدقات وافرة لكل وارد فيها
مدرسة عظيمة حسنة وحاكم المدينة مع باقي تلك الجهات يومئذ السلطان
مصطفى ابن السلطان سليمان وهذا السلطان مصطفى قتله أبوه خوفا على
الملك سنة 960 وهي السنة التي خرج فيها إلى حرب الفرس وفيها مات
ولده آخر الزمان اسمه جهانكير وهو فارسي معناه آخر الزمان بحلب
وقيل إن أباه قتله أيضا وأقمنا بهذه المدينة 16 يوما ثم توجهنا منها نحو
القسطنطينية ومن غريب ما رأيناه في الطريق بعد مفارقتنا أماسية بأيام
اننا مررنا بواد عظيم لم نر أحسن منه وليس فيه عمارة طوله مسيرة يوم
تقريبا وفيه من سائر الفواكه والثمار بغير مالك بل هو نبات من الله سبحانه
كغيره من الأشجار البرية وكذا فيه معظم أنواع المشمومات العطرة والأزهار
الأرجة ومما رأينا فيه الجوز والرمان والبندق والعنب والعناب والتفاح وأنواع
من الخوخ وأنواع من الكمثرى والزعرور والقراصيا حتى أن بعض أشجار
القراصيا قدر شجر الجوز الكبير بغير حرث ولا سقي وفيه البرباريس بكثرة
ورأينا ومن المشمومات الورد الأبيض والأحمر والأصفر والياسمين الأصفر والبلسان
والزيزفون والبان وكان ذلك الوقت أوان زهرها وفيه من الأشجار الجيدة العظيمة
شجر الصنوبر والدلب والصفصاف والسنديان والملول شجر البلوط وهذه الأشجار
كلها مختلطة بعضها ببعض ورأينا فيه أنواعا كثيرة من الفواكه قد انعقد حبها ولا
نعرف أسماءها ولا رأيناها قبل ذلك اليوم ابدا . ثم سرنا عنه أياما كثيرة ثم
وصلنا إلى ارض أكثر شجرها الفواكه لا سيما الخوخ والتفاح وأكثر ما
اشتمل عليه ذلك الوادي يوجد فيها وسرنا في هذه الأرض خمسة أيام وهي
من أعجب ما رأينا من ارض الله تعالى وأحسنها وأكثرها فاكهة مجتمعة
بعضها ببعض كأنها حدائق منضودة بالغرس لا يدخل بينها أجنبي وفيها
أشجار عظيمة طولا وعرضا وربما بلغ طولها مائتي شبر فصاعدا ودور
بعضها يبلغ ثلاثين شبرا فصاعدا ومررنا في جملة هذا السير على مدن حسنة
وقرى بعيدة وكان وصولنا إلى مدينة قسطنطينية يوم الاثنين 17 شهر ربيع
الأول سنة 952 ووفق الله تعالى لنا منزلا حسنا رفقا من أحسن مساكن
البلد قريبا إلى جميع أغراضنا وبقيت بعد وصولي 18 يوما لا اجتمع بأحد
من الأعيان ثم اقتضى الحال ان كتبت في هذه الأيام رسالة جيدة تشتمل
على عشرة مباحث جليلة كل بحث في فن من الفنون العقلية والفقهية
والتفسير وغيرها وأوصلتها إلى قاضي العسكر وهو محمد بن قطب الدين بن
محمد بن محمد بن قاضي زاده الرومي وهو رجل فاضل أديب عاقل لبيب
من أحسن الناس خلقا وتهذيبا وأدبا فوقعت منه موقعا حسنا وحصل لي
بسبب ذلك منه حظ عظيم وأكثر من تعريفي والثناء علي للأفاضل واتفق في
خلال هذه المدة بيني وبينه مباحثة في مسائل كثيرة من الحقائق قال ابن
العودي ومن قواعد الأروام المقررة في قانونهم بحيث لا يمكن خلافه
عندهم ان كل طالب منهم لا بد له من عرض قاضي جهته بتعريفه وانه
أهل لما طلب الا شيخنا قدس الله سره فإنه استخار الله سبحانه ان يأخذ
عرضا من قاضي صيدا وكان إذ ذاك القاضي معروف الشامي فلم تظهر
خيرة وكان بينه وبينه صحبة ومداخلة فبقي متحيرا في أنه يسافر ولا يعلمه
ولا يطلب منه عرضا فاقتضى الرأي ان أرسلني إليه لأسوق معه سياقا يفهم
منه الاعلام بالسفر ولا اطلب منه عرضا فمضيت وأعلمته بذلك فقال
نكتب له عرضا فقلت هو ما قال لي من جهة العرض فقال رواحه بلا
عرض لا يمكن لأنه لا ينقضي له الا به البتة لان من عادة هؤلاء الأروام
ووقانونهم انه لو مضى امام مذهبهم أبو حنيفة وطلب منهم غرضا من
الاغراض يقولون له أين عرض القاضي فيقول لهم انا امامكم ولا احتاج
عرض القاضي فيقولون له لا بد من ذلك نحن لا نعرف الا القانون
قال وحكى لنا قدس سره انه اجتمع ببعض الفضلاء في قسطنطينية فسأله
هل معك عرض القاضي فقال لا فقال إذن امرك مشكل يحتاج إلى تطويل
زائد فأخرج له الرسالة المذكورة التي ألفها وقال هذا عرضي فقال لا تحتاج
معه شيئا قال طاب ثراه ففي اليوم الثاني عشر من اجتماعي به ارسل
إلي الدفتر المشتمل على الوظائف والمدارس وبذل لي ما اختاره واكد في كون
ذلك في الشام أو حلب فاقتضى الحال ان اخترت منه المدرسة النورية
ببعلبك لمصالح وجدتها ولظهور امر الله تعالى بها على الخصوص فاعرض لي
بها إلى السلطان سليمان وكتب لي بها براءة وجعل لي في كل شهر ما شرطه
واقفها السلطان نور الدين الشهيد واتفق من فضل الله سبحانه ومنته لي في مدة
إقامتي بالبلدة المذكورة في الألطاف الإلهية والاسرار الريانية والحكم الخفية ما يقصر
عنه البيان ويعجز عن تحريره البنان ويكل عن تقريره اللسان فلله الحمد
والمنة والفضل والنعمة على هذا الشأن ونسأله ان يتم علينا منه الاحسان انه
الكريم الوهاب المنان ثم إنه ذكر جملة من غرائب نعم الله تعالى عليه في تلك البلدة
قال ابن العودي لم يذكر اجتماعه فيها بالسيد عبد الرحيم العباسي فقد كان
قدس سره كثيرا ما يطري ذكره علينا وانه من أهل الفضل التام وله
مصنفات منها شرح شواهد التلخيص سلك فيه مسلكا واسعا وسماه معاهد
التنصيص في شرح أبيات التلخيص نقل شيخنا جملة منه بخطه وذكر انه إذا
تعلق بشرح بيت من الأبيات اتى على غالب أحوال قائلة وأشعاره وما يتعلق
به وأطنب ولهذا السيد أشعار في غاية الجودة موجود منها شئ بخط شيخنا
في بعض المجاميع لجامع الكتاب قال وكانت مدة إقامتي بمدينة
قسطنطينية ثلاثة أشهر ونصفا وخرجت منها يوم السبت 11 شهر رجب سنة
952 وعبرت البحر إلى مدينة اسكدار وهي مدينة حسنة جيدة صحيحة
أعيان الشيعة — صفحة 151
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص١٥١