ويخالف أيضا بعضها بعضا كما نذكره وكأنها لغة أخرى لاستحكام ملكتها في أجيالهم . واللّه يخلق ما يشاء ويقدر » « 1 » .
مطلب في تعليم اللسان المضري « 2 »
« اعلم أن ملكة اللسان المضري لهذا العهد قد ذهبت وفسدت ، ولغة أهل الجيل كلهم مغايرة للغة مضر التي نزل بها القرآن ، وإنما هي لغة أخرى من امتزاج العجمة بها كما قدمناه . إلا أن اللغات لما كانت ملكات - كما مر - كان تعلمها ممكنا شأن سائر الملكات ، ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث وكلام السلف ، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم ، وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم ، حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم ، ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عبارتهم وتأليف كلماتهم وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم ، فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال ، ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوة ، ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهم الحسن لمنازع العرب وأساليبهم في التراكيب ، ومراعاة التطبيق بينها وبين مقتضيات الأحوال والذوق .
يشهد بذلك ، وهو ينشأ ما بين هذه الملكة والطبع السليم فيهما - كما نذكر - وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع نظما ونثرا . ومن حصل على هذه الملكات فقد حصل على لغة مضر ، وهو الناقد البصير بالبلاغة فيها . وهكذا ينبغي أن يكون تعلمها . واللّه يهدي من يشاء بفضله وكرمه العميم » .
* * *
مطلب في أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربيّة ومستغنية عنها في التعليم « 3 »
« والسبب في ذلك أن صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها
هامش
( 1 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 648 ) .
( 2 ) انظر مقدمة ابن خلدون ( ص 648 ، 649 ) .
( 3 ) انظر مقدمة ابن خلدون ( 649 - 651 ) .