الباب الخامس في لواحق الفوائد وفيه مطالب
مطلب لزوم العلوم العربية
اعلم أن مباحث العلوم إنما هي في المعاني الذهنية والخيالية من بين العلوم الشرعية التي أكثرها مباحث الألفاظ وموادها ، وبين العلوم العقلية وهي في الذهن . واللغات إنما هي ترجمان عما في الضمائر من المعاني ، ولا بدّ في افتتاحها من ألفاظها بمعرفة دلالتها اللفظية والخطية عليها . وإذا كانت الملكة في الدلالة راسخة بحيث تتبادر المعاني إلى الذهن من الألفاظ زال الحجاب بين المعاني والفهم ، ولم يبق معاناة ما في المعاني من المباحث .
هذا شأن المعاني مع الألفاظ والخط بالنسبة إلى كل لغة ثم إن الملة الإسلامية لما اتسع ملكها ، ودرست « 1 » علوم الأولين بنبوتها وكتابها ، صيروا علومهم الشرعية صناعة بعد أن كانت نقلا ، فحدثت فيها الملكات وتشوقوا إلى علوم الأمم فنقلوها بالترجمة إلى علومهم ، وبقيت تلك الدفاتر التي بلغتهم الأعجمية نسيا منسيا ، وأصبحت العلوم كلها بلغة العرب ، واحتاج القائمون بالعلوم إلى معرفة الدلالات اللفظية والخطية في لسانهم دون ما سواه من الألسن لدروسها وذهاب العناية بها . وقد ثبت أن اللغة ملكة في اللسان ، والخط صناعة ملكتها في اليد ، فإذا تقدمت اللسان ملكة العجمة صار مقصرا في اللغة العربية ، لأن الملكة إذا تقدمت في صناعة أخرى ، إلا أن تكون ملكة العجمة السابقة لم تستحكم كما في أصاغر أبناء العجم ، وكذا شأن من سبق له أن تعلم الخط الأعجمي قبل العربي . ولذلك ترى بعض علماء الأعجام في دروسهم يعدلون عن نقل المعمّى من الكتب إلى قراءتها ظاهرا ، يخففون بذلك عن أنفسهم مئونة بعض الحجب ، وصاحب الملكة في العبارة والخط مستغن عن ذلك .
هامش
( 1 ) درست : اندثرت وبادت .